د. محمد سيد أحمد يكتب: مجلس السلام المزعوم ولد مهزومًا !!


في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني، اعتادت قوى الهيمنة العالمية أن تعيد تدوير الهزيمة في شكل "مبادرات سلام". فحين تفشل القوة الغاشمة في إخضاع الشعوب، يستدعى الخطاب الناعم ليؤدي المهمة نفسها بأدوات مختلفة، وما يسمى اليوم بـ"مجلس السلام" الذي يراد فرضه على أهلنا في غزة ليس سوى حلقة جديدة في هذا المسار، محاولة سياسية متأخرة لانتزاع ما عجزت عنه آلة الحرب طوال أكثر من عامين من الإبادة والتدمير.
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا تقاس نتائج الحروب فقط بحجم الدمار المادي، بل بمدى القدرة على كسر الإرادة الجمعية للشعوب، وفي هذه الزاوية تحديدًا، مني المشروع الصهيوني بهزيمة واضحة. فرغم الحصار الخانق، والتجويع المنهجي، واستهداف البنية الاجتماعية والإنسانية لغزة، لم يتحقق الهدف المركزي: لم يهجر الشعب الفلسطيني، ولم تمح هويته، ولم تنكسر إرادته. بل على العكس، أعادت غزة إنتاج ذاتها كرمز تاريخي للصمود، وكاشفة زيف القوة التي لا ترى في الإنسان سوى هدف عسكري.
إن ما فشل فيه العدو عبر الحرب الشاملة، لن ينجح في تمريره عبر طاولة مفاوضات مختلة، أو مجلس سلام يصاغ خارج السياق التاريخي والحقوقي للصراع. فالتجربة العربية، منذ كامب ديفيد مرورًا بأوسلو ووادي عربة، تعلمنا أن "السلام" الذي لا يقوم على العدالة، ولا يعترف بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، ليس سوى غطاء لإعادة إنتاج التبعية، وتكريس موازين قوى ظالمة.
الخطورة الحقيقية في مجلس السلام المزعوم لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في وظيفته الاجتماعية: محاولة إعادة تشكيل وعي الضحية، ودفعها للقبول بالأمر الواقع، وتحويل الجريمة إلى "نزاع"، والاحتلال إلى "خلاف"، والاقتلاع إلى "حل إنساني". هنا تحديدًا، يصبح السلام أداة هيمنة، لا أفق تحرر.
والأخطر من ذلك، هو إعادة إحياء مشاريع قديمة جديدة، تتعلق بتصفية القضية الفلسطينية عبر حلول جغرافية بديلة، أو أوهام التوطين، أو العبث بالسيادة الوطنية للدول العربية، وفي مقدمتها مصر. إن سيناء لم تكن يومًا، ولن تكون، امتدادًا لمشاريع فشل أصحابها في كسر إرادة شعب على أرضه. فالقضية الفلسطينية ليست مشكلة لاجئين فحسب، بل قضية شعب وأرض وحق تاريخي.
ومن منظورنا القومي، فالصراع مع العدو الصهيوني ليس صراع حدود يمكن تسويته على خرائط التفاوض، بل صراع وجود، بين مشروع استعماري استيطاني، وأمة تسعى للتحرر والوحدة والاستقلال، وكل محاولة لاختزال هذا الصراع في "ترتيبات أمنية" أو "ضمانات دولية" إنما تتجاهل جوهره الحقيقي: أن فلسطين كانت وما زالت وستبقى قضية تحرر وطني.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تصمد، حتى وهي عارية إلا من إيمانها بعدالة قضيتها، تنتصر في النهاية، والرهان الفلسطيني اليوم ليس على مجالس تعقد في العواصم، ولا على رعاة سلام منحازين، بل على وعي شعبي متجذر، وعلى مقاومة شاملة بمعناها الواسع: مقاومة سياسية، وثقافية، واجتماعية، وقانونية، تبقي جذوة الصراع مشتعلة، وتحول دون تصفيته.
أما الأساطير الصهيونية التي تتحدث عن "دولة من النيل إلى الفرات"، فهي ليست سوى أوهام توسعية لطالما سقطت أمام حقائق التاريخ، فالمشاريع الإمبراطورية، مهما امتلكت من قوة، تحمل في داخلها بذور فنائها، حين تصطدم بشعوب ترفض الاستسلام، وترفض التنازل عن حقها في الأرض والكرامة.
إن مجلس السلام المزعوم لن يكون بوابة للتهدئة، بل محاولة لفرض الهزيمة السياسية على شعب لم يهزم، وغزة التي صمدت في وجه النار، لن توقع على صك إنكار ذاتها، فالقضية الفلسطينية أكبر من مجلس، وأعمق من مبادرة، وأبقى من كل مشاريع التصفية، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
.jpg)























