مقالات

د. محمد سيد أحمد يكتب: إبراهيم تراوري قائد يصنع التاريخ !!

خط أحمر

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب، لا يبرز القادة الحقيقيون من رحم الصدفة، بل يخرجون من قلب الصراع، حين تبلغ التبعية ذروتها، ويصل النهب الخارجي حده الأقصى، وتصبح الدولة الوطنية مجرد واجهة شكلية لهيمنة استعمارية جديدة تتخفى خلف شعارات "الشراكة" و"مكافحة الإرهاب" و"الديمقراطية المعلبة". في هذا السياق التاريخي المعقد، يبرز اسم رئيس بوركينا فاسو، الجنرال إبراهيم تراوري، بوصفه أحد أكثر النماذج الجريئة والمقلقة للقوى الإمبريالية في إفريقيا اليوم، لأنه تجرأ على كسر قواعد اللعبة التي أرادها الغرب، وعلى رأسه فرنسا، ثابتة لا تتغير.

إبراهيم تراوري لم يأتِ باعتباره مجرد ضابط انقلابي آخر في سلسلة الانقلابات الإفريقية التي طالما استخدمت لتدوير النخب التابعة، بل جاء معبراً عن وعي جمعي إفريقي آخذ في التشكل، ورافضٍ بوضوح معادلة الاستعمار الجديد التي تقوم على نهب الثروات الطبيعية، وإبقاء الشعوب في حالة فقر بنيوي، مقابل حماية أنظمة هشة فاقدة للسيادة. لقد قالها الرجل بوضوح غير مسبوق: بوركينا فاسو ليست مستعمرة، ولن تكون مزرعة خلفية لفرنسا أو غيرها، ولن تدار قراراتها السياسية من غرف مغلقة في باريس أو واشنطن.

من منظور علم الاجتماع السياسي، فإن ما يقوم به تراوري يتجاوز شخصه إلى كونه تعبيراً عن صراع بنيوي بين مشروعين: مشروع الهيمنة الإمبريالية الذي يسعى إلى تفكيك الدولة الوطنية الإفريقية، وتحويلها إلى كيان أمني هش وظيفته الأساسية حماية مصالح الشركات متعددة الجنسيات، ومشروع وطني تحرري يحاول استعادة مفهوم السيادة، وربط الأمن بالتنمية، والاستقلال السياسي بالتحرر الاقتصادي. ولعل أخطر ما كشفه تراوري، بخطابه وممارساته، هو زيف الادعاء الغربي بأن وجوده العسكري في إفريقيا جاء لمكافحة الإرهاب، بينما الواقع أن هذا الوجود كان أحد أهم أسباب تمدد الجماعات المتطرفة، عبر تفكيك الجيوش الوطنية، وإضعاف الدولة، وإدامة الفوضى الخلاقة.

هنا تفرض المقارنة نفسها مع تجارب تاريخية كبرى، وعلى رأسها تجربة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، فعبد الناصر، كما تراوري اليوم، لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان تعبيراً عن لحظة تحرر تاريخية في مواجهة إمبريالية شرسة، كلاهما فهم مبكراً أن الاستقلال الشكلي بلا سيادة اقتصادية وهم، وأن التحكم في الموارد الوطنية هو جوهر الصراع، وأن القوى الاستعمارية لا تغفر لمن يخرج عن طوعها، وكما واجه عبد الناصر العدوان الثلاثي لأنه أمم قناة السويس، يواجه تراوري اليوم حرباً إعلامية وسياسية شرسة لأنه تجرأ على إعادة تعريف علاقة بوركينا فاسو بفرنسا، وعلى طرح سؤال الثروة: لمن تستخرج؟ ولصالح من تدار؟

التشابه لا يقف عند حدود الموقف السياسي، بل يمتد إلى طبيعة الخطاب الموجه للشعب، فكما خاطب عبد الناصر الجماهير العربية بلغة الكرامة والعدالة الاجتماعية، يخاطب تراوري شعبه بلغة السيادة الوطنية، والاعتماد على الذات، ورفض الاستجداء من الخارج، وهو خطاب شديد الخطورة على النظام العالمي غير العادل، لأنه يعيد للسياسة معناها الاجتماعي، ويربطها بمصالح الفلاحين والعمال والمهمشين، لا بمصالح السفارات والقواعد العسكرية.

ولا يمكن تجاهل أن الهجوم الغربي على تراوري، سواء عبر الإعلام أو عبر الضغوط الدبلوماسية، يعكس خوفاً حقيقياً من انتقال "العدوى"، فبوركينا فاسو ليست دولة معزولة، بل جزء من فضاء إفريقي واسع يعاني من نفس آليات النهب والتبعية، وإذا نجح نموذج تراوري في تثبيت أقدامه، فإن ذلك يهدد منظومة كاملة من الامتيازات الاستعمارية التي راكمتها فرنسا لعقود طويلة تحت مسمى "الفرنك الإفريقي" والاتفاقات العسكرية غير المتكافئة.

لا يمكن النظر إلى تجربة إبراهيم تراوري إلا باعتبارها امتداداً طبيعياً لمعركة التحرر الوطني التي خاضتها شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. إنها نفس المعركة التي خاضها عبد الناصر، وسوكارنو، ونكروما، وهو تشي منه، ضد عالم منقسم بين سادة وعبيد. واللافت أن هذا الصراع يعود اليوم في شكل جديد، لكنه بنفس الجوهر: من يملك القرار؟ ومن يملك الثروة؟ ومن يحدد مستقبل الشعوب؟

إن تراوري، مثل عبد الناصر من قبله، يدفع ثمن الجرأة، وقد يدفع ثمناً أكبر مستقبلاً، لأن تاريخ الإمبريالية لا يرحم من يفضحها. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الرجل أعاد الأمل لشعبه، وفتح نافذة واسعة أمام وعي إفريقي جديد يرفض العبودية المقنعة، وفي عالم يزداد توحشاً، يصبح مجرد رفع شعار السيادة فعلاً ثورياً، وتصبح مواجهة فرنسا الاستعمارية موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً.

إن إبراهيم تراوري ليس بطلاً أسطورياً، ولا منقذاً معصوماً من الخطأ، لكنه – كما كان جمال عبد الناصر – قائد اختار أن يقف في صف شعبه لا في صف الإمبراطورية الاستعمارية الغربية الفاجرة، وهذا وحده كافٍ ليضعه في سجل القادة الذين يصنعون التاريخ، لا أولئك الذين يوقعون على هوامشه، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

د. محمد سيد أحمد إبراهيم تراوري قائد يصنع التاريخ خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة