محمد دياب يكتب: سد النهضة بين الإرادة السياسية والتحديات الإقليمية


سد النهضة تجاوز كونه ملفاً مائياً بين ثلاث دول وأصبح اختباراً حقيقياً للسياسة الإقليمية والقدرة على التوافق في القرن الأفريقي. الرسالة الأمريكية الأخيرة التي أعلن فيها الرئيس «ترامب» استعداده لاستئناف جهود الوساطة، تحمل أكثر من مجرد إشارات دبلوماسية فهي محاولة لإعادة التوازن لمفاوضات توقفت منذ سنوات وتذكير بأن المماطلة الإثيوبية لم تعد مقبولة في زمن تحكمه الضغوط الدولية والحاجة للاستقرار الإقليمي.
مصر على مدار أكثر من عشر سنوات قدمت نموذجاً واضحاً للالتزام بالحوار والتفاوض، مع حرص غير مسبوق على إيجاد صيغة شاملة تضمن حقوقها التاريخية في مياه النيل وتحفظ مصالح السودان وإثيوبيا. هذا النهج لم يكن مجرد سياسة دفاعية عن الموارد المائية، وانما استراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى الاستقرار والتنمية المشتركة.
إثيوبيا بالمقابل اختارت حتى الآن نهج التعنت والمماطلة، الذي يعكس غياب إرادة سياسية صادقة للوصول إلى حل متوازن. هذا الموقف لم يعرّض فقط التوصل إلى اتفاق شامل للخطر وانما زاد من الضغوط الإقليمية والدولية على أديس أبابا، وجعل الحلول الفنية وحدها غير كافية، ما يحتم ضرورة معالجة الملف السياسي إلى جانب المفاوضات الفنية.
الوساطة الأمريكية اليوم تمثل فرصة استراتيجية لإعادة بناء الثقة بين الأطراف الثلاثة وفرصة لإثيوبيا لتثبت أنها مستعدة للتعاون، بدلاً من التمادي في الانفراد بالقرار. النجاح في هذا الملف لا يعني مجرد توقيع اتفاق بل بناء قاعدة لإدارة مشتركة للموارد وضمان استقرار المنطقة، وتعزيز العلاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا على أسس واضحة وعادلة.
في النهاية الصعوبة الحقيقية تكمن في تحويل الرسائل والضغوط الدولية إلى إرادة سياسية حقيقية. مصر تتطلع إلى أن تكون هذه الوساطة خطوة نحو حل شامل ودائم يعكس التوافق الوطني والإقليمي، ويحمي حقوقها التاريخية ويؤسس لنمو مستدام لمنطقة القرن الأفريقي بأكملها.
.jpg)
























