د. ميادة عبدالعال تكتب: حين تُهندس الشائعة بالصدمة


لم تعد الشائعة تنتظر أن تنتقل من فم إلى آخر حتى تنتشر، ولم يعد انتشارها مرتبطًا بوقت أو مكان. ضغطة واحدة تكفي لتصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص، وفي لحظات الأزمات تحديدًا تصبح الشائعة أسرع من أي محاولة للرد عليها. فكلما ارتفع منسوب القلق، زادت شهية الجمهور لمعرفة ما يحدث، ووجدت المعلومة المجهولة طريقها إلى العقول قبل أن تجد الحقيقة طريقها إلى المنصات.
الأمر لم يعد مجرد شخص ينقل خبرًا غير صحيح، وإنما باتت هناك طرق أكثر احترافًا لصناعة التأثير. صورة قديمة يعاد تقديمها باعتبارها حدثًا جديدًا، فيديو حقيقي يوضع في سياق مختلف، تصريح مبتور، أو قصة مجهولة المصدر تبدأ بجملة من نوع «مصدر خاص يكشف»، ثم تتكفل المنصات والخوارزميات بالباقي.
الأخطر أن الشائعة الناجحة لا تخاطب عقل الجمهور فقط، بل تضرب مشاعره أولًا. تخيفه، تغضبه، تثير فضوله أو تجعله يشعر بأنه أمام معلومة خطيرة يجب أن يشاركها فورًا. وهنا تكمن «هندسة الصدمة»؛ أن تجعل المتلقي يتصرف قبل أن يفكر، وينشر قبل أن يتحقق.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، أصبحت المسألة أكثر تعقيدًا. فالصورة لم تعد دليلًا كافيًا، والصوت لم يعد بالضرورة حقيقيًا، والفيديو الذي يبدو مقنعًا قد يكون مصنوعًا بالكامل. ومع انتشار تقنيات التزييف العميق، أصبح المواطن أمام تحدٍ جديد: كيف يثق فيما يراه ويسمعه؟
لكن مواجهة الشائعات لا يمكن أن تكون بمطاردة كل منشور على حدة. المؤسسات التي تريد حماية وعي المجتمع تحتاج إلى أن تكون أسرع من الشائعة، وأن تمتلك أدوات لرصد ما يتصدر اهتمام الناس، وفهم طبيعة المحتوى المتداول، والتحقق منه، ثم تقديم المعلومة الصحيحة في الوقت الذي لا تزال فيه القصة قابلة للتصحيح.
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في الاتجاه الآخر؛ ليس فقط كأداة يمكن استخدامها لصناعة المحتوى المضلل، وإنما كوسيلة لرصده وتحليله وكشف أنماطه. ومع ذلك، لن تنجح التكنولوجيا وحدها إذا غابت الثقة. فالجمهور يحتاج إلى مصدر يتحدث معه بوضوح، ولا يكتفي بالنفي، بل يقدم الحقيقة كاملة وبالسرعة التي تفرضها المنصات.
وفي النهاية، تظل المعركة الحقيقية مع الشائعة معركة وعي. لا يكفي أن نقول للناس «لا تصدقوا»، وإنما علينا أن نعلمهم كيف يسألون: من قال؟ ومتى؟ وأين الدليل؟ وهل الصورة تخص الحدث فعلًا؟ وهل الفيديو جديد أم أعيد استخدامه؟
في زمن أصبحت فيه الشائعة قادرة على صناعة الصدمة خلال ثوانٍ، لم تعد حماية المجتمع مسؤولية المؤسسات وحدها. إنها مسؤولية إعلام يعرف كيف يواجه التضليل، ومؤسسات تعرف كيف تتواصل، وجمهور يدرك أن الضغط على زر «مشاركة» قد يكون أحيانًا أسرع من الحقيقة نفسها.


.png)



































