خط أحمر
السبت، 29 أغسطس 2026 05:07 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

د. ميادة عبدالعال تكتب: من يملك حق اختيار ما نراه؟

خط أحمر

كل صباح، يصل إلينا سيل هائل من الأخبار والصور والفيديوهات والمنشورات. نفتح الهاتف فنجد عشرات الموضوعات أمامنا، بعضها نعرفه ونبحث عنه، وبعضها يظهر للمرة الأولى، وأحيانًا نكتشف في نهاية اليوم أننا تابعنا قضية واحدة لساعات، بينما لم نعرف شيئًا عن أحداث أخرى ربما كانت أكثر أهمية.
المشهد يبدو عشوائيًا، لكنه ليس كذلك تمامًا. هناك أنظمة تعمل في الخلفية تختار وترتب وتقترح، وتتعلم باستمرار من الطريقة التي نستخدم بها هواتفنا ومنصاتنا. ما نتوقف أمامه، وما نتجاهله، وما نشاركه، وما نعود إليه مرة أخرى، كلها تفاصيل تساعد الخوارزميات على معرفة ما قد يجذب انتباهنا لاحقًا.
وهنا يظهر سؤال يستحق أن يشغل العاملين في الإعلام والجمهور أيضًا: من يختار ما نراه؟ لسنوات طويلة، كان الإعلام هو الذي يحدد إلى حد كبير ما يصل إلى الناس. الصحيفة تختار عناوينها، القناة تحدد ما تتصدر به نشرتها، والمذيع يختار ضيفه، والبرنامج يقرر الموضوع الذي يفتح به الحلقة. كانت هناك قرارات بشرية واضحة تقف وراء ما نشاهده ونقرأه ونسمعه.
أما اليوم، فقد دخل طرف جديد إلى هذه المعادلة. الخوارزمية لا تجلس في غرفة الأخبار، ولا تمسك ميكروفونًا، ولا تكتب مقدمة برنامج، لكنها تستطيع أن تؤثر في الطريق الذي يسلكه المحتوى حتى يصل إلى الجمهور.
قد تنشر مؤسسة إعلامية عشرات الأخبار في اليوم، لكن هذا لا يعني أن الجمهور سيرى العشرات. وقد يقدم برنامج حلقة مهمة، لكن المقطع الذي ينتشر منها قد يكون مجرد جملة قصيرة قالها أحد الضيوف. وقد تنشر قناة تقريرًا متكاملًا عن قضية مهمة، بينما يحصد مقطع مدته دقيقة واحدة أضعاف مشاهداته.
هنا تغيرت طبيعة المنافسة. فلم تعد المؤسسات الإعلامية تتنافس فقط على جودة المحتوى، وإنما أصبحت تتنافس أيضًا على لفت الانتباه داخل مساحة مزدحمة لا تمنح الجمهور وقتًا طويلًا.
والانتباه نفسه أصبح سلعة ثمينة. فالمحتوى الذي يجعل المستخدم يتوقف، ويشاهد، ويعلق، ويشارك، تكون فرص انتشاره أكبر. ولذلك أصبح من الصعب تجاهل تأثير الأرقام في صناعة الإعلام، سواء كانت مشاهدات أو مشاركات أو نسب متابعة.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الأرقام جزءًا من عملية اتخاذ القرار؟ قد يبدأ الأمر بمحاولة فهم الجمهور، وهو أمر طبيعي ومهم، ثم يتحول تدريجيًا إلى مطاردة ما يحقق أعلى مشاهدة. ومع الوقت، يمكن أن يصبح الموضوع الأكثر انتشارًا أهم من الموضوع الأكثر أهمية.
وهنا تظهر مشكلة لا تخص الصحافة وحدها، وإنما الإعلام كله. في التلفزيون، قد يصبح البحث عن الضيف الأكثر إثارة أهم من البحث عن الضيف الأكثر قدرة على تقديم إجابة حقيقية. وفي البرامج، قد تحصل الجملة المثيرة على مساحة أكبر من النقاش نفسه. وفي المواقع، قد يتقدم العنوان الأكثر جذبًا على التقرير الأكثر عمقًا. وعلى المنصات، قد ينتشر المحتوى الذي يثير الجدل أسرع من المحتوى الذي يحتاج إلى وقت حتى يفهمه الجمهور.
هل يعني ذلك أن الجمهور هو المسؤول؟ ليس بالضرورة ، الجمهور يتفاعل مع ما يجذبه، والمنصات تتعلم من هذا التفاعل، ووسائل الإعلام تحاول الوصول إلى الجمهور داخل هذه البيئة. وهكذا ندخل في دائرة متصلة: الجمهور يحدد جزءًا من اهتماماته، والمنصة تقترح عليه المزيد مما يتوافق معها، والإعلام يحاول إنتاج محتوى يناسب قواعد هذه المنصات، ثم تعود الخوارزمية لتحدد ما سيظهر أمام الجمهور.
وفي وسط هذه الدائرة، قد يصبح السؤال الأهم: هل نحن نختار ما نشاهده، أم نختار فقط من بين ما تم اختياره لنا؟ لا يمكن القول إن الخوارزميات تتحكم بالكامل في الجمهور، فهذا تبسيط غير دقيق. الإنسان يستطيع البحث، والمقارنة، ومتابعة مصادر مختلفة، وتغيير ما يظهر أمامه بمرور الوقت. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن أول ما يصل إلى أعيننا يؤثر في اختياراتنا التالية.
ما يظهر أمامنا باستمرار يبدأ في احتلال مساحة أكبر من اهتمامنا، وما لا يظهر قد يظل خارج وعينا، حتى لو كان مهمًا.وهنا تصبح مسؤولية الإعلام أكبر. المطلوب ليس تجاهل الخوارزميات، ولا الدخول في معركة معها، فهي أصبحت جزءًا من الطريقة التي يصل بها المحتوى إلى الناس. المطلوب هو ألا تتحول قواعدها إلى قواعد العمل الإعلامي نفسه.

فالإعلام ليس مسابقة لاختيار المحتوى الأكثر قدرة على تحقيق الأرقام، وإلا أصبح النجاح مرهونًا بقدرة المادة على إثارة الانتباه، وليس بقيمتها الحقيقية. المحتوى الجيد يحتاج إلى جمهور، نعم، لكن الوصول إلى الجمهور لا يجب أن يكون على حساب المضمون. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الإعلام في السنوات المقبلة هو الحفاظ على قدرته على الاختيار، في وقت أصبحت فيه الخوارزمية شريكًا أساسيًا في عملية الوصول.
فالمشكلة ليست أن الخوارزمية تختار لنا بعض ما نراه، وإنما أن نفقد القدرة على ملاحظة أنها تفعل ذلك. وعندما تصبح الشاشة أمام كل شخص مختلفة، ويصبح لكل مستخدم عالم إعلامي خاص به، يصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا من وقت لآخر: هل ما نراه هو فعلًا الصورة الكاملة لما يحدث حولنا، أم أنها الصورة التي نجحت الخوارزمية في جعلها الأكثر ظهورًا؟
السؤال لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بمستقبل الإعلام وقدرته على الحفاظ على دوره في تشكيل الوعي، دون أن يتحول إلى مجرد سباق طويل وراء المشاهدة والتفاعل. فالخوارزمية تستطيع أن تختار ما يظهر أمامنا، لكنها لا ينبغي أن تختار وحدها ما يستحق أن نعرفه.

د. ميادة عبدالعال من يملك حق اختيار ما نراه خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة