الدكتور أحمد عبود يكتب: حفاة الوطن


هناك نوع من البشر لا يمشي على أرض الوطن، بل يمشي فوق الوطن نفسه. يرفع شعار الوطنية حين تخدمه، ويتحدث عن المصلحة العامة حين تكون له مصلحة خاصة، ويطالب الجميع بالتضحية بينما هو أول من يبحث عن المكاسب والمناصب والمزايا. هؤلاء هم «حفاة الوطن»؛ لا يحملون الوطن على أكتافهم، وإنما يحملون مصالحهم فوق أكتاف الوطن.
حفاة الوطن لا يعرفون معنى الانتماء الحقيقي، لأن الانتماء بالنسبة لهم كلمة تُقال في المناسبات، وصورة تُلتقط أمام الكاميرات، وشعار يُرفع وقت الحاجة. أما عندما تأتي لحظة العمل أو التضحية أو تحمل المسؤولية، تختفي الوطنية فجأة، ويبدأ البحث عن المخرج والمصلحة والواسطة.
الأخطر أن حفاة الوطن لا يظهرون دائمًا في صورة الفاسد الواضح، بل قد يرتدون أفضل الملابس ويتحدثون بأكثر الكلمات رنانة عن الدولة والمجتمع والمصلحة الوطنية. قد تجدهم في مواقع المسؤولية، أو بالقرب من أصحاب القرار، أو في الصفوف الأولى في المناسبات، بينما المواطن البسيط الذي يتحمل أعباء الحياة لا يجد من يسمعه.
حفاة الوطن هم الذين يريدون دولة قوية عندما تحمي مصالحهم، ويريدون دولة ضعيفة عندما تقف أمام أطماعهم. هم الذين يطالبون بالقانون عندما يكون في صالحهم، ويحاولون الالتفاف عليه عندما يتعارض مع مصالحهم. هم الذين يطالبون الناس بالصبر، بينما هم لا يصبرون على ضياع أي منفعة شخصية.
والمشكلة ليست في وجود هؤلاء فقط، وإنما في أن البعض يمنحهم مساحة أكبر من حجمهم، فيصبح الصوت العالي أهم من العمل، والمظهر أهم من الإنجاز، والعلاقات أهم من الكفاءة، والولاء للأشخاص أهم من الولاء للوطن.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تختلف الآراء داخلها، وإنما أن تتحول الوطنية إلى سلعة، وأن يصبح حب الوطن وسيلة للحصول على منصب أو نفوذ أو مكسب. فالوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات صوت، ولا إلى صور ولافتات، وإنما تظهر عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة، فيختار الإنسان الوطن.
مصر لا تحتاج إلى المزيد من الذين يتحدثون باسمها، وإنما تحتاج إلى من يعملون من أجلها. لا تحتاج إلى من يضعون أنفسهم فوق الناس، وإنما إلى من يعرفون أن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا. ولا تحتاج إلى من يرفعون شعار «نحن مع الوطن» ثم يسألون أولًا: ماذا سيعطينا الوطن؟
ولذلك فإن مواجهة «حفاة الوطن» لا تكون بالشعارات المضادة، وإنما ببناء دولة تكون فيها الكفاءة معيارًا، والقانون فوق الجميع، والمحاسبة حقيقية، والفرصة متاحة لمن يستحق، ويصبح معيار الوطنية هو ما يقدمه الإنسان لوطنه، وليس ما يقوله عن نفسه.
فالوطن ليس غنيمة، والمناصب ليست ملكية خاصة، والمواطن ليس مجرد رقم في الانتخابات أو صوتًا وقت الحاجة. الوطن ملك لأبنائه جميعًا، ومن أراد أن يخدمه فليتقدم بالعمل لا بالكلام.
وفي النهاية، سيبقى الفرق واضحًا بين من يمشي حافيًا على أرض الوطن لأنه يشعر بآلام أهله، وبين من يمشي فوق الوطن لأنه لا يرى فيه إلا طريقًا لمصلحته.
الأول ابن وطن حقيقي… أما الثاني، فهو أحد حفاة الوطن.


.png)

































