د. هبة عادل تكتب: مكة المكرمة.. حرمة لا تقبل المساس


هناك أحداث تتجاوز في دلالاتها حدود الخبر، وتفرض على الجميع التوقف أمامها بمسؤولية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمقدسات الدينية التي تمثل مكانة راسخة في وجدان الملايين حول العالم.
ومكة المكرمة ليست مجرد مدينة، والمسجد الحرام ليس مجرد موقع جغرافي؛ فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ومقصد ضيوف الرحمن، ومكان ارتبط في وجدان الأمة الإسلامية بالأمن والسكينة والعبادة. ولذلك فإن أي تهديد يقترب من مكة أو من المجال الجوي المحيط بها يكتسب حساسية استثنائية، ويستوجب أعلى درجات المسؤولية والحرص.
وفي تطور لافت، أعلنت قيادة قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن، في 16 سبتمبر 2026، أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت طائرة مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة، ونسب البيان السعودي إطلاقها إلى جماعة الحوثيين. (Saudi Press Agency)
وأكدت السلطات السعودية أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن يمثل «خطًا أحمر»، في رسالة تعكس حجم المسؤولية المرتبطة بحماية الأماكن المقدسة وتأمين ملايين المسلمين الذين يقصدونها من مختلف أنحاء العالم. (Saudi Press Agency)
وفي المقابل، نفت جماعة الحوثيين استهداف مكة المكرمة أو أي من المواقع الدينية المقدسة، وهو ما يفرض، من الناحية المهنية، التمييز بين ما أعلنته الجهات الرسمية وبين الروايات المتبادلة، وعدم تجاوز المعلومات الموثقة عند تناول الواقعة. (Reuters)
لكن، بعيدًا عن تفاصيل الروايات المتقابلة، هناك مبدأ لا ينبغي أن يكون محل خلاف: المقدسات الدينية يجب أن تبقى بمنأى عن الصراعات العسكرية والسياسية، وأمن الحرمين الشريفين لا يمكن أن يكون ورقة ضغط أو وسيلة لإيصال الرسائل.
إن مجرد اقتراب عمل عسكري من المجال الجوي لمكة المكرمة يثير قلقًا مشروعًا، ليس فقط من زاوية الأمن الإقليمي، وإنما لما تمثله مكة من مكانة دينية استثنائية للمسلمين كافة. ومن هنا، فإن حماية الحرمين الشريفين وسلامة ضيوف الرحمن يجب أن تظل أولوية ثابتة، لا تتأثر بتغير التحالفات أو تصاعد الخلافات.
كما أن احترام المقدسات لا ينبغي أن يرتبط بموقف سياسي أو بخلاف بين دولتين أو جماعات، وإنما يجب أن يكون قاعدة راسخة تحظى باحترام الجميع. فالأماكن المقدسة ليست ساحات للمواجهات، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في الصراعات الإقليمية.
وتأتي المواقف العربية والإسلامية الرافضة للمساس بالمقدسات في هذا السياق لتؤكد أهمية تحييد أماكن العبادة عن النزاعات، والحفاظ على أمنها وسلامة روادها، والعمل على منع اتساع دائرة التصعيد في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد فقط؛ بل تتطلب موقفًا جماعيًا يؤكد أن أمن الحرمين الشريفين وسلامة ضيوف الرحمن شأن يستحق أعلى درجات الحماية والاحترام، وأن أي تهديد يقترب من المقدسات يستوجب التعامل معه بأقصى درجات الجدية والمسؤولية.
كما أن المرحلة الراهنة، بما تشهده المنطقة من أزمات وتوترات متلاحقة، تفرض الحاجة إلى تغليب صوت الحكمة، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، ومنع اتساع رقعة الصراع لتصل إلى مواقع ذات مكانة دينية وإنسانية لا يجوز أن تكون جزءًا من الحسابات العسكرية.
وفي هذا السياق، تظل الرسالة الأهم أن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تمس الثوابت الدينية، وأن المقدسات يجب أن تظل بعيدة عن الاستهداف أو التهديد أو الاستخدام السياسي.
مكة المكرمة ليست طرفًا في أي نزاع،
والحرم الشريف ليس ورقة تفاوض،
وحرمة المقدسات لا تقبل المساومة.
إن حماية مكة المكرمة والحرمين الشريفين ليست مسؤولية أمنية فحسب، وإنما هي مسؤولية دينية وإنسانية وحضارية، تتطلب من الجميع احترام قدسية المكان، والعمل على صون أمنه واستقراره.
وفي النهاية، فإن صوت العقل يجب أن يعلو فوق صوت التصعيد، وأن تبقى المقدسات بمنأى عن الصراعات، وأن يكون أمن ضيوف الرحمن وحماية الحرمين الشريفين أولوية لا تقبل التهاون.
حفظ الله مكة المكرمة، وحفظ الحرمين الشريفين، وأدام على المملكة العربية السعودية الأمن والاستقرار، وحفظ شعوب أمتنا العربية والإسلامية من الفتن والحروب، وجنّب المنطقة مزيدًا من التصعيد، وكتب لها الأمن والسلام.




























