إبراهيم نصر يكتب: أمانة الرسالة وخراب التعليم


إن التعليم ليس مجرد مهنة للتكسب المادي أو وظيفة عابرة لجمع الثروات، بل هو رسالة سامية وأمانة عظيمة نوه الشارع الحكيم بمكانتها، وجعل المعلم فيها وارثا لأعظم غاية وهي هداية العقول وبناء الإنسان. غير أن طغيان المادة وجشع بعض المعلمين وحرصهم الشديد على جمع المال بأي طريق، أدى إلى انتكاسة أخلاقية وتربوية خطيرة في المجتمع، حيث انحرفت هذه الرسالة النبيلة عن مقصدها الشريف، وتحول التعليم لدى هذه الفئة إلى تجارة لا ترحم، مما فتح أبوابا ومسارات موازية للمدرسة الرسمية تحت مسمى "السناتر" والدروس الخصوصية التي باتت تستنزف الطاقات والجهود.
ومن أشد الصور حرمة ونزعا للبركة من الرزق والعمر هو تعمد بعض المعلمين التقصير في الشرح داخل الفصل المدرسي، أو إهمال أداء واجبهم الوظيفي والتربوي بضمير حي، بهدف إجبار الطلاب على اللجوء إليهم في المجموعات الخاصة والسناتر خارج أوقات العمل الرسمية.
إن هذا السلوك لا يمثل مجرد تقصير وظيفي أو خطأ إداري، بل هو خيانة صريحة للأمانة وأكل لأموال الناس بالباطل، فالمعلم يتقاضى أجره المالي مقابل شرح المنهج كاملا وبكفاءة داخل المدرسة، فإذا قصر في ذلك ليجبر رعيته من الطلاب على دفع مبالغ إضافية خارجها، فقد جمع بين خيانة العهد وأخذ ما لا يستحق، وهو سلوك محرّم شرعا ومجرّم أخلاقيا يترتب عليه نزع البركة من رزقه وعمره فى الدنيا، ومحاسبة شديدة أمام الله عز وجل فى الآخرة.
لقد أسفر هذا الحرص المحموم على التكسب عن نتائج كارثية طالت المنظومة التعليمية برمتها، وأدت إلى تخريب وتدمير غير مباشر لمكانة المدرسة وهجران جماعي من الطلاب لفصولهم الدراسية. فقد تراخى الدور التربوي والتعليمي للفصل المدرسي، وأصبحت المدارس شبه خاوية، بينما تزاحم الطلاب في مراكز الدروس الخصوصية التي تفتقر لأدنى المقومات التربوية والصحية. إن تفريغ المدارس من مضمونها الحقيقي يقتل روح الانضباط والالتزام لدى الأبناء، ويجرد العملية التعليمية من قيمها السامية، فيتحول التعلم من رحلة لبناء الفكر وتزكية النفس والشخصية إلى مجرد سعي آلي مادي لتحصيل الدرجات عبر المذكرات الملخصة والتلقين السريع.
ولعل الجرم الأكبر والأشد إيلاما يقع على كاهل الأسرة المصرية، حيث أصبحت هذه الظاهرة نزيفا ماليا مستمرا يلتهم ميزانيات العائلات، ويفرغ دخول السواد الأعظم من الآباء الذين باتوا يئنون تحت وطأة الضغوط المادية والنفسية الهائلة. إن إرهاق أولياء الأمور وتكليفهم ما لا يطيقون لتوفير نفقات هذه المسارات الموازية المبتدعة ينزع السكينة والطقوس الهادئة من البيوت، ويحرم الأسر من تلبية احتياجاتها الأساسية المعيشية، وهو ما يخالف مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت للتيسير ورفع الحرج والتخفيف عن العباد.
إن القضاء على هذه الأزمة الخطيرة يتطلب استعادة المعلم لضميره الإيماني وأمانته المهنية، وإدراكه اليقيني أن البركة في الرزق لا تأتي بالحرص والمغالاة ولا بابتزاز حاجة الطلاب، بل بالإخلاص وإتقان العمل لوجه الله تعالى داخل الفصل. كما يتطلب الأمر موقفا حاسما ووعيا كاملا من أولياء الأمور بالتوقف عن تغذية هذا المسار التجاري الذي يستنزفهم، والتمسك بحق أبنائهم في الحصول على تعليم كامل ومحترم داخل المحراب الأصيل والشرعي للتعليم وهو المدرسة، ليعود للتعليم في بلدنا نوره وبركته.
والمتأمل فى أحوال المدرسين الجشعين، سيجد حياتهم غير مستقرة وأموالهم لا بركة فيها، وكم رأيت عمارات شيدها هؤلاء ـ وأعرف بعضهم معرفة شخصية ـ ولم يدخلوها إذ وافتهم المنية، وربما استدانوا قبل موتهم، وتركوا زوجات وأولادا صغارا قبل إتمام التشطيبات، ولا يستطيعون الوفاء بالدين، ولم ينتفعوا بما ترك، فتضطرهم الحاجة لبيع العقار وسداد الديون، أو فى الغالب تتزوج أم الأولاد لتجد من يرعى صغارها، ويذهب هو وحده ليسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فاعتبروا يا أولى الألباب.
[email protected]





























