محمد محفوظ يكتب: حَظَّرْ فَظَّرْ.. تِيجِي تِرَكَّبُه، يِرَكَّبَك!


أحيانًا يدخل المسؤول إلى المشهد وهو يظن أنه جاء ليركب «التريند»… فإذا بالتريند هو الذي يركبه، ويصبح هو نفسه حديث الناس!
وهذا تحديدًا ما حدث في واقعة زيارة محافظ القليوبيه للمدارس، والتي كان من المفترض أن تكون جولة لمتابعة أحوال العملية التعليمية والوقوف على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الطلاب والمعلمون والمدارس.
لكن المشهد خرج من إطار المتابعة إلى حديث مختلف تمامًا.
فالمشكلة ليست في أن المحافظ يتابع، ولا في أن يحاسب المقصر، بل في طريقة المحاسبة، وفي توقيت توجيه اللوم، وفي تحميل مديري المدارس وحدهم مسؤولية أوضاع تراكمت لسنوات بسبب نقص الإمكانيات والدعم والصيانة والتجهيزات.
نعم… مدير المدرسة مسؤول، ويجب أن يتحمل مسؤولية التقصير إذا ثبت تقصيره.
لكن هل مدير المدرسة هو المسؤول عن مبنى متهالك؟
هل هو المسؤول عن نقص الإمكانيات؟
هل هو الذي يضع ميزانية التعليم؟
هل هو الذي يقرر أعمال الصيانة أو توفير الأثاث والأدوات؟
وهل من العدل أن نقف أمام مدير مدرسة ونحاسبه على كل شيء، بينما نتجاهل سلسلة طويلة من المسؤوليات تبدأ من جهات أكبر منه بكثير؟
المحاسبة مطلوبة… ولكن العدالة في المحاسبة أهم.
والأغرب من ذلك أن المشهد بدا وكأنه مُعدّ ليكون مادة إعلامية جاهزة للتصوير والتداول، خصوصًا مع وجود مايكروفون على بدلة المحافظ، بما يوحي بأن ما يدور في الجولة كان معلومًا أنه سيُسجَّل ويُعرض.
وهنا السؤال ليس عن الميكروفون نفسه، وإنما عن هل كانت الأولوية حل المشكلة أم صناعة المشهد؟
المواطن لا يريد مسؤولًا ينتصر على مدير مدرسة أمام الكاميرا.
المواطن يريد مسؤولًا ينتصر للمدرسة والطالب والمعلم.
يريد أن يرى مدرسة تم إصلاحها، وفصلًا مجهزًا، ومعلمًا يجد الإمكانيات التي تساعده على أداء رسالته، وطالبًا يتعلم في بيئة آدمية تليق به.
أما أن نضع مدير المدرسة في مواجهة أمام الكاميرات، ونحاسبه على واقع هو في أحيان كثيرة أحد ضحاياه، فهذا قد يصنع لحظة قوية على السوشيال ميديا… لكنه لا يصنع تعليمًا أفضل.
والأهم أن المسؤول الكبير لا تُقاس قوته بقدرته على إحراج من هم أقل منه سلطة، وإنما تُقاس بقدرته على مواجهة أصل المشكلة، ومحاسبة كل مسؤول عن الجزء الذي يقع تحت سلطته.
فإذا كان هناك تقصير من مدير مدرسة، فليُحاسب.
لكن إذا كان هناك تقصير من إدارات أو جهات أعلى، فيجب أن تمتد إليها المحاسبة أيضًا.
لا نريد شماعة جديدة نعلّق عليها كل أخطاء منظومة التعليم.
وفي النهاية…
كان من الواضح أن المحافظ دخل المشهد وهو يريد أن يركب التريند، لكن يبدو أن الحسابات لم تكن دقيقة.
للأسف… جه يركبه، فركبه!
ركبه التريند نفسه، وتحولت الجولة من حديث عن إنجاز أو متابعة ميدانية إلى حديث الناس عن أسلوب الإدارة والمحاسبة وطريقة التعامل مع مديري المدارس.
والرسالة هنا ليست دفاعًا عن مقصر، ولا هجومًا من أجل الهجوم.
الرسالة ببساطة:
حاسبوا المقصر… نعم.
لكن حاسبوا الجميع.
وأصلحوا المشكلة… قبل أن تبحثوا عن بطل في الكاميرا.
لأن التعليم لا يُصلح بالتريندات…
التعليم يُصلح بالعمل.





























