د. ميادة عبدالعال تكتب: ديكتاتورية «اللايك» وصراع المشاهدة والقيمة


لم يعد «الترند» مجرد ظاهرة رقمية عابرة تظهر على منصات التواصل الاجتماعي ثم تختفي، بل أصبح جزءًا من صناعة الرأي العام، وأحد العوامل المؤثرة في تحديد الموضوعات التي تحظى بالاهتمام، والأشخاص الذين يتصدرون المشهد، والقضايا التي تشغل مساحة من النقاش المجتمعي. وفي خضم هذا السباق نحو المشاهدة والإعجاب والمشاركة، يبدو أننا أمام سؤال أكبر من مجرد «ما الذي يحقق التفاعل؟»، وهو: ماذا يحدث لوعينا عندما يصبح التفاعل هو المعيار الأول للقيمة؟
في السنوات الأخيرة، تحولت أرقام المشاهدات والإعجابات والتعليقات إلى ما يشبه شهادة نجاح للمحتوى. كلما ارتفع الرقم، بدا المحتوى أكثر أهمية، وكلما تصدر موضوع قائمة الأكثر تداولًا، تعامل معه البعض باعتباره قضية لا يمكن تجاهلها. لكن الحقيقة أن الانتشار لا يعني بالضرورة الأهمية، وكثرة المشاهدة لا تعني المصداقية، والقدرة على إثارة الجدل ليست دليلًا على جودة المحتوى.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول مطاردة الترند من وسيلة للوصول إلى الجمهور إلى هدف في حد ذاته. عندها يصبح المحتوى محكومًا بمنطق «ما الذي سيجذب الانتباه؟» بدلًا من «ما الذي يحتاج الجمهور إلى معرفته؟». ويتراجع المحتوى الذي يحتاج إلى بحث وتحليل وتدقيق أمام محتوى أكثر إثارة وأسرع انتشارًا، لأن الخوارزميات لا تمنح دائمًا الأفضلية للأكثر عمقًا، وإنما لما ينجح في إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
وهنا أصبحت الخوارزمية أشبه بمحرر غير مرئي. فهي لا تجلس داخل غرفة الأخبار، ولا تكتب العناوين، ولا تختار الضيوف، لكنها تؤثر في كل ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال تحديد المحتوى الذي يحظى بفرصة أكبر في الوصول إلى الجمهور. ومع الوقت، يبدأ صانع المحتوى نفسه في فهم قواعد اللعبة، فينتج ما تعرف الخوارزمية أنه سيحقق تفاعلًا، ويعيد الجمهور استهلاك النوع ذاته من المحتوى، فتتشكل دائرة مغلقة يصبح الخروج منها أكثر صعوبة.
الأمر لا يتوقف عند صناع المحتوى أو المؤثرين، بل يمتد أحيانًا إلى بعض المؤسسات الإعلامية التي تجد نفسها في مواجهة معادلة صعبة: كيف تحافظ على المعايير المهنية، وفي الوقت نفسه تضمن الوصول إلى جمهور يعيش داخل منصات تقيس النجاح بالأرقام؟ وهنا قد يقع البعض في فخ تحويل الخبر إلى مادة للفرجة، والعنوان إلى وسيلة لاستدراج القارئ، والقضية الإنسانية إلى محتوى قابل للتداول.
وبالطبع، لا يمكن إنكار أهمية التفاعل الجماهيري في الإعلام الحديث. فالصحافة ليست معزولة عن الجمهور، والمنصات الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية توزيع الأخبار والمعلومات. لكن المشكلة ليست في استخدام أدوات العصر، وإنما في السماح لهذه الأدوات بأن تحدد وحدها أولوياتنا المهنية والمجتمعية.
حين يصبح «اللايك» هو المعيار، يصبح المحتوى الأكثر إثارة أكثر قدرة على المنافسة من المحتوى الأكثر أهمية. وحين يصبح عدد المشاهدات هو المؤشر الأساسي للنجاح، يصبح من السهل أن تتراجع القضايا التي تحتاج إلى وقت للفهم، لصالح الموضوعات السريعة التي يمكن اختزالها في ثوانٍ.
وهذا الخطر يبدو أكثر وضوحًا عندما نتحدث عن الأجيال الأصغر سنًا، التي تتلقى جزءًا كبيرًا من معلوماتها اليومية عبر المنصات الرقمية. فالمشكلة ليست فقط في كمية المعلومات الهائلة التي تصل إليها، وإنما في الطريقة التي يتم بها ترتيب هذه المعلومات. ما يظهر أمام المستخدم باستمرار قد يبدو له أكثر أهمية مما لا يظهر، وما يتكرر عشرات المرات قد يكتسب في ذهنه درجة من المصداقية لمجرد أنه أصبح مألوفًا.
ومن هنا، فإن قضية الوعي الاجتماعي في عصر الترند لا يمكن اختزالها في مطالبة الجمهور بعدم تصديق كل ما يراه. نحن أمام مسؤولية جماعية تبدأ من المؤسسات الإعلامية، مرورًا بصناع المحتوى والمنصات الرقمية، وصولًا إلى المستخدم نفسه. فالإعلام مطالب بأن يتمسك بقيمته المهنية حتى عندما لا يكون المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر مشاهدة، وصانع المحتوى مطالب بأن يدرك أن التأثير ليس امتيازًا فقط، وإنما مسؤولية أيضًا، والجمهور مطالب بأن يتحول من مستهلك سلبي إلى متلقٍ قادر على السؤال والتحقق والنقد.
نحتاج اليوم إلى استعادة مفهوم «إعلام القيمة» في مواجهة «إعلام المشاهدة». إعلام القيمة لا يرفض التفاعل ولا يعادي المنصات الرقمية، لكنه يضع المعلومة الصحيحة والسياق والبعد الإنساني والمصلحة العامة قبل الأرقام. فليس الهدف أن نصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس بأي طريقة، وإنما أن نصل إليهم بمحتوى يستحق وقتهم وثقتهم.
وربما يكون من الضروري أيضًا أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها النجاح الإعلامي. فمادة صحفية حققت ملايين المشاهدات ليست بالضرورة أكثر تأثيرًا من تحقيق لم يحقق سوى عشرات الآلاف، إذا كان الأخير قد كشف قضية مهمة أو صحح مفهومًا خاطئًا أو أضاف معرفة حقيقية إلى الجمهور. الأرقام تخبرنا بحجم الوصول، لكنها لا تخبرنا وحدها بحجم القيمة.
إن أخطر ما في ديكتاتورية «اللايك» أنها تجعل الإنسان يطارد ما يثير الآخرين بدلًا من أن يسأل عما يهمه هو، وتجعل المؤسسات تطارد ما يتصدر بدلًا من أن تسأل عما يستحق أن يتصدر. وبمرور الوقت، قد تتحول الخوارزمية من أداة لتنظيم المحتوى إلى قوة ناعمة تشارك في تشكيل أجندة المجتمع دون أن يشعر المستخدم بذلك.
لا يمكننا، بالطبع، أن نطلب من الناس الانسحاب من العالم الرقمي، ولا يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تتجاهل قواعد المنصات الجديدة. المطلوب ليس مواجهة التكنولوجيا، وإنما استعادة التوازن في العلاقة معها. أن نستخدم الخوارزميات للوصول إلى الجمهور، لا أن نسمح لها بتحديد ما يستحق أن يصل إليه الجمهور. أن نستفيد من الترند دون أن نصبح أسرى له، وأن نبحث عن التفاعل دون أن نجعل «اللايك» معيارًا للحقيقة.
فالوعي الجمعي لا ينبغي أن تصنعه خوارزمية تبحث عن أطول وقت للمشاهدة، ولا أن تحدده قائمة الأكثر تداولًا، ولا أن تقيس قيمته بعدد الإعجابات. الوعي الحقيقي يتشكل من المعرفة، والتفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين المهم والمثير، وبين الحقيقة والانتشار.
وفي عصر أصبح فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للتحول إلى «ترند»، ربما يكون التحدي الأكبر أمام الإعلام والمجتمع ليس كيف نصنع محتوى أكثر جذبًا، وإنما كيف نحافظ على محتوى أكثر قيمة. لأن المعركة الحقيقية لم تعد على الشاشة فقط، وإنما على ما يدخل إلى عقولنا، وما يبقى فيها، وما يتحول في النهاية إلى جزء من وعينا الجمعي.



























