صابر سكر يكتب: بين ضمير المهنة وشهادة الزور.. أين يقف الدفاع؟ (3)


استكمالًا لما سبق من الحديث عن الشهادة والتوعية بأحكامها وضوابطها، تبرز مسألة شديدة الأهمية تتعلق بالعلاقة بين واجب المحامي في الدفاع عن موكله، وضميره المهني، وحدود وسائل الدفاع المشروعة، والفارق بين الدفاع عن الإنسان وبين تبرير الفعل الذي ارتكبه، فضلًا عن مسؤولية المحامي تجاه موكله والعدالة ومهنته.
فالمحامي لا يصنع دليلًا لمصلحة موكله، ولا يأتي بشاهد يعلم أنه سيشهد زورًا. ومن واقع الممارسة المهنية، فإن إخبار الموكل بوجود شهود لا يعني الدفع بهم مباشرة إلى المحكمة، وإنما يجب أولًا الوقوف على حقيقة ما لديهم من معلومات، ومدى اتصالها بالواقعة.
ولهذا، فإنني عندما يخبرني موكلي بوجود شهود، أحرص على مقابلتهم ومناقشتهم بعيدًا عن موكلي وأهليته، للوقوف على حقيقة شهادتهم.
فإن تبين أن الشاهد سيشهد زورًا، أرفضه صراحة، أما إذا كان شاهد حق، ولكن شخصيته ضعيفة وأخشى عليه من الوقوف أمام المحكمة، فقد أستبعده. وإذا كان شاهد حق، ولكن شهادته ستضر بموقف موكلي، فإنني أستبعده أيضًا؛ لأن مهمة المحامي هي حماية مصلحة موكله في إطار القانون، وليس الإضرار به.
ومن هنا اضيف سؤال آخر مهم: هل يمكن دحض الدليل القولي بالدليل الفني؟ وأيهما تكون له الغلبة عند التعارض؟ وهو ما يقود بطبيعة الحال إلى الحديث عن الأدلة الفنية والرقمية، خاصة في الجرائم الإلكترونية. يقول الدكتور عصام الحموري المحامي ان الدفاع عن المتهم.. لا يعني تبرير الجريمة من الأخطاء التي يجب تصحيحها الخلط بين الدفاع عن المتهم وبين تبرير الجريمة أو قبولها.
فدور المحامي هو ضمان حق الدفاع، باعتباره حقًا دستوريًا، وكفالة حق المتهم في محاكمة عادلة تجري وفق الإجراءات التي رسمها القانون.
وحتى إذا انتهت المحكمة إلى إدانة المتهم، فإن دور المحامي لا ينتهي، وإنما يستمر في ضمان تطبيق العقوبة التي قررها القانون، دون زيادة أو تجاوز.
فالمحامي يدافع عن حق المتهم في المحاكمة العادلة، وليس عن الجريمة ذاتها.
شهادة الزور.. لا تُواجه بشهادة زور
وهنا يجب أن يكون المبدأ واضحًا: لا يجوز مواجهة شهادة الزور بشهادة زور أخرى، حتى لو كان الهدف إسقاط شهادة كاذبة أو إنقاذ متهم بريء.
فإذا كان المحامي يعلم أن شخصًا لا يعرف الواقعة، وأنه سيختلق أقوالًا لم تقع، فلا يجوز له تقديمه شاهدًا؛ لأن ذلك يتحول من ممارسة لحق الدفاع إلى مشاركة في صناعة دليل غير صحيح.
وكون الخصم قد استخدم شهادة زور لا يجعل استخدام الزور في مواجهته أمرًا مشروعًا؛ فالغاية المشروعة لا تبرر الوسيلة غير المشروعة.
أما الشاهد الذي يعرف الحقيقة فعلًا، ورأى الواقعة أو سمعها، فله أن يؤدي شهادته بما يعلمه دون زيادة أو اختلاق.
كما يستطيع المحامي أن يكشف تناقض شهود الخصم، ويفحص مدى صدق روايتهم، ويقدم المستندات والأدلة الفنية والمادية، ويطلب مناقشتهم ومواجهتهم، دون أن يصنع شاهدًا أو يختلق واقعة.
وقد حذر النبي ﷺ من شهادة الزور تحذيرًا شديدًا، وجعلها من كبائر الذنوب.
المحامي الحقيقي.. يكشف الزور ولا يصنعه
هناك وسائل كثيرة يستطيع المحامي من خلالها أن يكشف للمحكمة أن الشاهد لم يقل الحقيقة.
فالمحامي المتمكن لا يحتاج إلى صناعة شاهد بديل، وإنما يستطيع من خلال المناقشة الدقيقة والأسئلة غير المتوقعة أن يكشف التناقض والاضطراب في الرواية.
وقد يحدث أن يوجه المحامي سؤالًا لم يكن الشاهد يتوقعه، ولكنه في صميم الواقعة، فتختلف الإجابات وتظهر الفوارق بين الروايات، وينكشف ما إذا كان الشاهد يتحدث عن واقعة عايشها فعلًا أم عن قصة تلقاها أو اختلقها.
وقد مررت شخصيًا بموقف من هذا النوع، حتى إن القاضي قال للشاهد: «عندك حاجة تانية عايز تقولها قبل ما تدخل النار؟»، وأقسم بالله أن هذا حدث بالفعل.
عندما يعجز صاحب الحق عن إثبات حقه
ويبقى السؤال الأصعب: ماذا لو كان هناك صاحب حق لا يستطيع إثبات حقه إلا بشاهد زور؟ أو شخص بريء فعلًا ولا يستطيع إثبات براءته إلا بهذه الوسيلة؟
هنا تظهر خطورة الخلط بين استرداد الحق وبين استخدام وسيلة غير مشروعة لإثباته.
وقد يستند البعض إلى قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.
إلا أن السياق الذي وردت فيه الآية يتعلق بالاعتداء والجزاء بالمثل، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإباحة الكذب أو شهادة الزور في الخصومات القضائية.
ففي العمل القانوني تظل مسؤولية المحامي المهنية والأخلاقية قائمة، ويظل عليه أن يبحث عن الوسائل المشروعة لإثبات الحق، حتى عندما تكون مهمة الدفاع شديدة الصعوبة.
«اطلب الشهداء لا الشهود» وهو اول الدروس التي تعلمناها من الفقيه الدكتور حمدي عبدالرحمن بكلية الحقوق جامعة المنوفية «عندما تطلب شهودًا، اطلب شهداء وليس شهودًا».
والمعنى المقصود أن الشهادة الحقيقية يجب أن تقوم على العلم بالواقعة، لا على التخمين أو النقل أو الاستنتاج الذي لا يستند إلى مشاهدة أو معرفة حقيقية.
وهذا المعنى ينسجم مع دقة التعبير في القرآن الكريم، الذي استخدم ألفاظ الشهادة في سياقات متعددة، ومنها قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ومن ثم فإن دقة المصطلح في العمل القانوني ليست ترفًا لغويًا، وإنما ترتبط بطبيعة الدليل وقيمته، فالشهادة أمام القضاء ليست مجالًا للروايات المصطنعة أو الأقوال الملفقة.
المحامي قد يخسر قضية.. لكنه لا يخسر نفسه
ومن أقوال الفقيه الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري قوله:
«ليس من عمل المحامين قلب الثوابت أو تضليل الحقائق، فلا تشعر بالفخر كثيرًا عندما تقلب الحقائق».
والمعنى أعمق من مجرد الفوز في قضية؛ فالمحاماة ليست مجرد وسيلة للانتصار في الخصومة، وإنما رسالة تقوم على الدفاع والحق واحترام القانون وصون العدالة.
ولهذا فإن محاربة الباطل بالباطل مرفوضة شرعًا وعقلًا؛ فالغاية المشروعة لا تجعل الوسيلة المحرمة مشروعة، والحق لا يحتاج إلى الكذب حتى ينتصر.
فالمحامي الحقيقي هو من يدافع عن موكله بكل قوة، ويستخدم كل وسيلة أتاحها القانون، ويكشف ضعف الدليل وتناقض الشهادة، ويواجه الزور بالحجة والقانون، دون أن يصنع هو زورًا جديدًا.
وفي النهاية، قد يخسر المحامي قضية، وقد يختلف حول تقديره للدليل أو وسيلة الدفاع، لكن الخسارة الحقيقية ليست خسارة قضية؛ وإنما أن يربح المحامي قضية ويخسر ضميره ومهنته ونفسه.




























