ذكرى انطلاق التلفزيون المصري.. من لحظة الميلاد إلى ذاكرة وطن لا تنطفىء


في إحدى أمسيات شهر يوليو عام 1960،، لم يكن الهدوء الذي خيم على البيوت المصرية يشبه أي مساء آخر.
جلس الجميع في ترقب حول صندوق خشبي صغير تتوسطه شاشة بالأبيض والأسود، لا يعرفون تماما ما الذي سيحدث بعد لحظات، لكنهم كانوا يدركون أنهم على موعد مع حدث استثنائي ، توقفت الأحاديث، وسكنت الضحكات، واتجهت العيون نحو الشاشة التي بدت صامتة لثوان، قبل أن يخرج منها صوت سيظل خالدا في ذاكرة المصريين : "هنا القاهرة..."
لم تكن تلك الكلمات مجرد بداية لبث تلفزيوني، بل كانت إعلانا عن ميلاد نافذة جديدة يرى المصريون من خلالها وطنهم والعالم، ويصنعون معها ذكريات ستظل حاضرة في وجدانهم جيلا بعد جيل.فمنذ تلك اللحظة، لم يعد التلفزيون مجرد جهاز يعرض عليه برنامج أو مسلسل، بل أصبح شاهدا على تاريخ مصر، ورفيقا لكل بيت، ومرآة تعكس أفراح الوطن وتحدياته وإنجازاته.
لكن هذه الحكاية لم تبدأ في ليلة الحادي والعشرين من يوليو عام 1960، وإنما بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما كانت فكرة التلفزيون نفسها تبدو للكثيرين أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
عندما كان الحلم مجرد فكرة
في أوائل الخمسينيات، كانت دول العالم تتسابق لإدخال التلفزيون إلى حياة شعوبها، بينما كانت مصر تتابع هذه الطفرة التكنولوجية باهتمام، مدركة أن المستقبل لن يعتمد على الصوت وحده، بل على الصورة أيضا.
وفي عام 1951 وصلت إلى القاهرة شركة فرنسية متخصصة في صناعة الراديو والتلفزيون، تحمل معها تجربة جديدة لم يعرفها المصريون من قبل. واستغلت الشركة احتفالات زواج الملك فاروق من الملكة ناريمان، فأجرت أول تجربة للإرسال التلفزيوني في مصر، ليس بهدف نقل الاحتفال فحسب، بل لتقنع الحكومة بإمكانية إنشاء محطة تلفزيونية مصرية دائمة.
وفي مبنى قريب من محطة مترو باب اللوق، نصب برج الإرسال المؤقت، وانطلقت أولى الصور التلفزيونية في سماء القاهرة، في تجربة بث تجريبية ارتبطت باحتفالات زفاف الملك فاروق ، وظلت تلك التجربة الإرسال التلفزيوني الوحيد في مصر خلال العهد الملكي، قبل انطلاق البث الرسمي للتلفزيون المصري عام 1960.
حلم توقف عند أبواب الحرب
بعد قيام ثورة يوليو عام 1952، بدأت الدولة تفكر بجدية في إنشاء تلفزيون وطني يعبر عن مصر الحديثة. وفي عام 1954 عرض الصاغ صلاح سالم، وزير الإرشاد القومي آنذاك، المشروع على الرئيس جمال عبد الناصر، الذي وافق عليه إيمانا بدور الإعلام في بناء الدولة الجديدة.
وأسندت المهمة إلى المهندس صلاح عامر، وكيل الإذاعة للشؤون الهندسية، وبدأت الدراسات لإنشاء مبنى للإذاعة والتلفزيون باعتماد قدره 108 آلاف جنيه على مساحة تتجاوز اثني عشر ألف متر مربع على كورنيش النيل، في المنطقة التي عرفت لاحقا باسم "ماسبيرو" ، نسبة إلى عالم الآثار الفرنسي جاستون ماسبيرو، أحد أبرز رؤساء هيئة الآثار المصرية.
وفي الوقت نفسه، وضعت الخطط لإنشاء محطة إرسال فوق جبل المقطم، وبدأ تصميم الاستديوهات وتجهيزها بأحدث المعدات المتاحة في هذا الوقت، تمهيدا لانطلاق البث التلفزيوني عام 1957 ، إلا أن اندلاع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أدى إلى توقف تنفيذ المشروع ، بعدما تحولت الأولويات إلى مواجهة العدوان وإعادة بناء ما خلفته الحرب. ورغم تأجيل الحلم ، فإنه لم ينس، بل ظل قائما في انتظار اللحظة المناسبة ليعود إلى الحياة من جديد.
عندما عاد الحلم أقوى
مع نهاية الخمسينيات، استعادت مصر مشروعها الإعلامي الكبير. وفي يوليو 1959 أعيد طرح فكرة إنشاء التلفزيون مرة أخرى، وتولى الدكتور عبد القادر حاتم، وزير الإرشاد القومي آنذاك ، متابعة تنفيذ المشروع، ليبدأ العمل بوتيرة سريعة غير مسبوقة.
فتح باب التقدم لتنفيذ المشروع، وبعد دراسة العطاءات وقع الاختيار على هيئة الإذاعة الأمريكية "آر سي ايه" ، التي تولت تجهيز شبكة التلفزيون المصرية بأحدث التقنيات المتاحة في ذلك الوقت.
وفي إطار الاستعداد لهذا المشروع الوطني ،أوفدت بعثات مصرية إلى معهد" آر سي ايه" في ولاية نيويورك للتدريب على تشغيل الأجهزة والاستديوهات الحديثة، حتى يعود أبناؤها قادرين على إدارة هذا الصرح بكفاءة ، وخلال ستة أشهر فقط، اكتمل إنشاء مركز الإذاعة والتلفزيون ، وبدأت الاستديوهات تستعد لاستقبال أول بث، بينما أُجريت البروفات الأولى داخل مسرح قصر عابدين، في سباق مع الزمن، لأن القيادة السياسية أرادت أن يرى المصريون حلمهم يتحقق قبل احتفالات ثورة يوليو، ولم يكن أحد يعلم أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد لحظة ستغير تاريخ الإعلام في مصر إلى الأبد.
ليلة ميلاد الشاشة المصرية
اقترب مساء الحادي والعشرين من يوليو عام 1960، وكانت القاهرة تبدو وكأنها تستعد لاستقبال ضيف جديد سيغير شكل الحياة فيها. داخل المبنى الجديد المطل على كورنيش النيل ، كانت الحركة لا تتوقف. مهندسون يراجعون أجهزة البث للمرة الأخيرة، ومخرجون يتابعون تفاصيل البرامج، ومذيعون يحفظون كلماتهم بدقة، بينما يقف الجميع أمام مسؤولية لم تعرفها مصر من قبل.
لم يكن اختيار هذا اليوم مصادفة، فقد جاء قبل ساعات من الاحتفال بالعيد الثامن لثورة الثالث والعشرين من يوليو، ليصبح افتتاح التلفزيون المصري أحد أبرز الإنجازات التي صاحبت تلك المرحلة، ورسالة تؤكد دخول مصر عصر الإعلام المرئي.
وعندما دقت الساعة السابعة مساء ،عم الصمت داخل الاستديو كما عم آلاف البيوت المصرية التي جلست تترقب ما ستقوله الشاشة لأول مرة، بدأ الإرسال بتلاوة عطرة لآيات من القرآن الكريم بصوت شيخ المقرئين محمد صديق المنشاوي، لتكون أول ما يطرق آذان المشاهدين، ثم ظهر الإذاعي الكبير صلاح زكي ، الذي ارتبط اسمه بهذه اللحظة التاريخية، ليصبح أول مذيع تلفزيوني في مصر، معلنا انطلاق البث من القاهرة، في لحظة شعر معها المصريون أنهم أمام ميلاد عصر جديد ، وأن عبارة "هنا القاهرة " لم تعد تسمع عبر الإذاعة فقط ، بل أصبحت ترى أيضا على الشاشة .
ومنذ اللحظات الأولى، لم يكن الهدف مجرد عرض صورة متحركة، بل تقديم شاشة تحمل نبض الوطن. فنقل التلفزيون وقائع افتتاح مجلس الأمة، ثم تابع المصريون خطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي جاء متزامنا مع احتفالات ثورة يوليو.
ولم يتوقف المشهد عند السياسة فقط، بل تحولت الشاشة إلى مسرح للفن أيضا، فصدح النشيد الوطني "وطني الأكبر" ، ثم جاءت نشرة الأخبار لتعلن أن التلفزيون أصبح نافذة جديدة يتابع خلالها المصريون ما يحدث داخل البلاد وخارجها ، وتواصلت الأغنيات الوطنية التي عبرت عن روح تلك المرحلة، وكان من بينها أغنية "حكاية شعب" بصوت العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ، التي بدت وكأنها تروي قصة وطن يمضي نحو المستقبل ، ثم ألقى الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإرشاد القومي كلمته التي أكد فيها أهمية هذا الانجاز الإعلامي ، قبل أن تتولى الإذاعية همت مصطفى تقديم فقرات الربط بين البرامج والأغنيات، لتضفي بصوتها حضورا مميزا إلى تلك الليلة .
واستمر البث نحو ست ساعات يوميا، إلا أن افتتاح الحادي والعشرين من يوليو كان افتتاحا تجريبيا، إذ توقف الإرسال في اليوم التالي لاستكمال الاستعدادات الأخيرة، قبل أن يفتتح التلفزيون العربي بثه الرسمي يوم السبت الموافق الثالث والعشرين من يوليو 1960، بالتزامن مع احتفالات الثورة، لتبدأ رحلة لم تتوقف صنعت ذاكرة أجيال كاملة.
من شاشة واحدة إلى بيت كل المصريين
بدأ التلفزيون المصري بقناة واحدة فقط ، لكنها كانت كافية لتغير عادات المشاهدة داخل البيوت المصرية، ومع تزايد الإقبال عليه، أصبح واضحا أن شاشة واحدة لن تكفي لهذا الجمهور المتزايد، وفي الحادي والعشرين من يوليو عام 1961 انطلقت القناة الثانية، لتزداد ساعات الإرسال إلى نحو ثلاث عشرة ساعة يوميا، ثم جاءت القناة الثالثة في أكتوبر 1962، لتتسع مساحة البث، ويتراوح متوسط الإرسال على القنوات الثلاث إلى ما بين 25 و30 ساعة يوميا.
ولم يقتصر دور التلفزيون على نقل الأخبار أو تقديم الترفيه، بل أصبح مدرسة متكاملة للثقافة والفن والتعليم. فمن خلاله تعرف المشاهد على المسرح، والأوبرا، والبرامج العلمية، والبرامج الدينية، والأدبية، والرياضية، كما اهتم منذ عام 1963 ببرامج محو الأمية وتعليم الكبار، إيمانا بأن رسالته لا تقتصر على الترفيه فحسب ، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان نفسه.
وفي عام 1970 بدأت مرحلة جديدة من التنظيم والتطوير، عندما صدر مرسوم بإنشاء اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، ليصبح الكيان الرسمي المسؤول عن إدارة الإعلام المرئي والمسموع في مصر ، وتقسيمه إلى أربعة قطاعات رئيسية : قطاع الإذاعة، وقطاع التلفزيون، وقطاع الهندسة، وقطاع التمويل، بحيث يتولى كل قطاع مسؤولية محددة تحت إشراف وزير الإعلام، في خطوة هدفت إلى تنظيم العمل ومواكبة التطور الذي بدأ يشهده الإعلام المصري.
ظل المشاهد المصري لسنوات يتابع برامجه المفضلة عبر شاشة الأبيض والأسود، حتى جاءت لحظة جديدة غيرت تجربة المشاهدة بالكامل ، فبعد انتصار السادس من أكتوبر عام 1973، دخل التلفزيون مرحلة البث الملون باستخدام تقنية "سيكام" لتصبح الصورة أقرب إلى الواقع ، ومع استمرار التطوير، انتقل في عام 1992 إلى نظام " بال" ، الذي وفر جودة أعلى في الصورة، وأصبح أكثر توافقا مع التقنيات الحديثة المستخدمة في البث التلفزيوني ، وهكذا انتقلت الشاشة المصرية من مرحلة الأبيض والأسود إلى عالم مليء بالألوان، ليواصل رحلته مع كل تطور جديد.
عندما أصبح لكل إقليم حكايته
مع بداية الثمانينيات، أدرك التلفزيون المصري أن لكل منطقة في مصر حكايتها الخاصة، ولهجتها، وثقافتها، واهتماماتها، فبدأ التفكير في إنشاء قنوات إقليمية تخاطب كل إقليم بلغته وقضاياه.
وكانت البداية مع انطلاق القناة الثالثة والتي توقف بثها بعد حرب يونيو 1967 ليعاد انطلاقها عام 1988، كأول قناة إقليمية مخصصة لخدمة إقليم القاهرة الكبرى، ثم لحقتها في العام نفسه القناة الرابعة، التي خاطبت أبناء مدن القناة، الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، إلى جانب محافظات الشرقية وشمال وجنوب سيناء ، وفي عام 1990 انطلق البث التجريبي للقناة الخامسة، التي تولت خدمة الإسكندرية والبحيرة ومطروح، لتصبح نافذة تنقل أخبار الساحل الشمالي وغرب الدلتا.
وفي عام 1994 بدأت القناة السادسة إرسالها من طنطا لتخدم محافظات وسط الدلتا، وهي الغربية والدقهلية والمنوفية وكفر الشيخ ودمياط، بينما انطلقت القناة السابعة من المنيا لتكون صوت محافظات شمال الصعيد، وتشمل بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط ، ثم جاء عام 1996 ليشهد افتتاح القناة الثامنة من أسوان، لتخدم محافظات جنوب الصعيد، وهي سوهاج وقنا والأقصر وأسوان، وبذلك أصبح لكل إقليم شاشة تعكس هويته، وتنقل أخباره، وتبرز تراثه، في تجربة إعلامية عززت ارتباط التلفزيون بالمواطن أينما كان داخل مصر.
من مصر إلى العالم ..بداية البث الفضائي
وبينما كانت القنوات الأرضية تقترب أكثر من المشاهد داخل الوطن، كانت هناك خطوة أكبر تعد للخروج بالصورة المصرية إلى العالم ، ففي الثاني عشر من ديسمبر عام 1990 ، انطلقت القناة الفضائية المصرية، لتصبح أول قناة فضائية حكومية عربية، حاملة صورة مصر وصورتها إلى المشاهدين خارج الحدود .
ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى انطلقت قناة النيل الدولية عام 1993، لتخاطب العالم بلغات متعددة، وتنقل ثقافتها وحضارتها إلى جمهور أوسع، ومع توسع البث الفضائي بدأت مرحلة جديدة فظهرت القنوات المتخصصة، وكانت قناة الدراما عام 1996 أولى هذه التجارب ،ثم تبعتها قنوات أخرى للأخبار، والرياضة، والمنوعات، والأسرة، والمعلومات، إلى جانب القنوات التعليمية.
واهتم التلفزيون منذ سنواته الأولى بتقديم محتوى متنوع يخاطب جميع فئات المجتمع ؛ فظهرت البرامج الثقافية التي فتحت أبواب المعرفة أمام المشاهدين ، مثل "فن وفكر" ، وبرامج الموسيقى الكلاسيكية منها " من الأوبرا" ، كما اهتم بالبرامج العلمية ومن اشهرها "عالم الحيوان " ، إلى جانب البرامج الدينية ، وبرامج المرأة والأسرة ، وبرامج الأطفال التي نشأت عليها أجيال كاملة .
منذ أن أضاءت الشاشة المصرية للمرة الأولى، شهد العالم تحولات تكنولوجية متلاحقة؛ فظهرت الأقمار الصناعية، ثم جاء الإنترنت، وبعده عصر منصات المشاهدة الرقمية التي منحت الجمهور حرية أكبر في اختيار المحتوى ومتابعته في أي وقت ومن أي مكان، ومع هذه التحولات، واجه التلفزيون التقليدي تحديات جديدة، فلم تعد المنافسة مقتصرة على القنوات الفضائية، بل امتدت إلى فضاء رقمي واسع تغيرت معه عادات المشاهدة، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي أصبحت تميل إلى المحتوى المتنوع والسريع عبر المنصات الحديثة.
ورغم هذه المنافسة، حافظ التلفزيون المصري على مكانته التاريخية، مستفيدا من التطور التكنولوجي، وساعيا إلى تحديث أدواته وتطوير محتواه والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بما يساعده على مواكبة عصر الإعلام الرقمي دون أن يفقد هويته التي بناها عبر سنوات طويلة ، فكل صورة عرضت، وكل خبر أذيع، وكل أغنية انطلقت عبر شاشته، لم تكن مجرد لحظة عابرة، بل كانت فصلا جديدا يضاف إلى كتاب طويل عنوانه "ذاكرة وطن".



























