حرب الإبادة تخمد فرحة الأطفال بالأضحى في غزة للعام الثالث


للعام الثالث على التوالي، يستقبل الفلسطينيون في قطاع غزة، وخصوصا الأطفال منهم، عيد الأضحى وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية، في ظل غياب معظم مظاهر العيد، من الأضاحي وملابس الأطفال إلى الألعاب وأجواء الفرح، بينما يعيش مئات آلاف السكان بين النزوح والجوع وفقدان المأوى.
وفي ظل هذه الظروف، يقضي آلاف النازحين أيام العيد داخل خيام ضيقة أُقيمت في ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، الذي كان قبل الحرب يحتضن المباريات والفعاليات الرياضية والثقافية، قبل أن يتحول من مساحة للرياضة والترفيه إلى مركز إيواء مكتظ بالنازحين.
أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة
مع اتساع أعداد النازحين، اختفت الأرضية المعشبة للملعب، الذي كان يتسع لأكثر من 9 آلاف متفرج، لتحل مكانها مئات الخيام البيضاء الممتدة في كل الاتجاهات، بينما تحولت المدرجات الإسمنتية إلى مساكن مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وفي هذا المكان، يعيش الأطفال أوضاعا قاسية بعدما فقدوا منازلهم ومدارسهم وألعابهم، وبات العيد بالنسبة لهم يوما آخر من المعاناة في ظل استمرار تداعيات الحرب والنزوح.
وجرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في القطاع بعد عامين من حرب الإبادة التي بدأتها إسرائيل في غزة يوم 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وأسفرت عن أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح فلسطيني، إضافة إلى دمار واسع طال 90% من البنية التحتية.
ومنذ عام 2007، تفرض إسرائيل حصارا على قطاع غزة، فيما بات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل 2.4 مليون بلا مأوى بعد تدمير منازلهم جراء الحرب.
ويعاني الفلسطينيون أوضاعا إنسانية ومعيشية صعبة نتيجة استمرار الحصار والقيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات والبضائع ومواد الإغاثة والإعمار، إلى جانب تفشي الفقر والبطالة.
وقبل الحرب، كان عيد الأضحى مناسبة ينتظرها الفلسطينيون في غزة كل عام، حيث كانت الأسواق تشهد حركة نشطة لشراء ملابس العيد والحلويات والألعاب وسط أجواء من الفرح والتجمعات العائلية.
ذكريات مؤلمة
تجلس الطفلة إيلين الشوا (10 سنوات) داخل خيمة النزوح، وقد غابت ملامح الفرح عن وجهها ووجوه إخوتها مع حلول عيد الأضحى.
تقول الشوا: "قبل الحرب كنا نشتري الملابس والحلوى ونذبح الأضاحي ونخرج للتنزه، أما الآن فلا ملابس ولا حلوى ولا ألعاب".
وكانت أسواق المواشي والأضاحي في غزة تشهد قبل حرب الإبادة الإسرائيلية ازدحاما كبيرا في مثل هذه الأيام من كل عام، حيث يتجمع البائعون والمشترون لاختيار الأغنام والعجول استعدادا للعيد.
وكان الأهالي يعودون إلى منازلهم مع الأضاحي لذبحها خلال العيد، ثم توزيع اللحوم على الأقارب والجيران والفقراء، في مشهد يعكس قيم التكافل والتضامن الاجتماعي.
وتضيف الشوا: "هذا ليس عيدا.. أتمنى أن أشعر بفرحة العيد مثل باقي الأطفال".
وتشير إلى إصابة والدها خلال الحرب، ما أفقده القدرة على العمل، وجعل الأسرة عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية، قائلة: "ينقصنا كل شيء".
وتعبر الطفلة الفلسطينية عن حزنها لغياب الأضاحي في غزة، متسائلة: "كيف يكون عيد أضحى بلا أضاح؟".
وقفزت أسعار الأضاحي في غزة إلى مستويات غير مسبوقة بفعل الحرب والحصار ومنع إدخال المواشي، إذ تجاوز سعر الخروف الواحد حاليا 5 آلاف دولار، بعدما كان يتراوح قبل حرب الإبادة بين 420 و700 دولار، وفق تقديرات وتقارير محلية.
بهجة غائبة
وفي زاوية من مدرجات ملعب اليرموك، تجلس الطفلة ريتاج شلحة (13 عاما)، النازحة من بيت لاهيا شمالي القطاع، مستذكرة أعياد ما قبل الحرب.
وتقول شلحة: "كنا نشتري الملابس والألعاب والأحذية، أما اليوم فنعيش على مدرجات الملعب".
وتضيف: "فقدت منزلي وأغراضي وكل ذكرياتي، ومنذ 3 سنوات لم أشعر بفرحة العيد".
وتتابع: "نريد أن نفرح مثل باقي أطفال العالم، فنحن لسنا أقل من أحد".
وتحولت عشرات الأماكن الترفيهية وملاعب الأطفال في غزة إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما دُمرت أجزاء واسعة منها جراء القصف الإسرائيلي، ما حرم الأطفال من أماكن اللعب والترفيه.
وكان الأطفال في الأعياد قبل الإبادة الإسرائيلية يرتدون أجمل ثيابهم ويملئَون الشوارع بضحكاتهم وألعابهم الجديدة، بينما يتبادل الكبار التهاني والتبريكات، في أجواء من الفرح تعيد إلى النفوس الطمأنينة.
عجز وحسرة
على إحدى درجات المدرجات الإسمنتية، يرقد خميس شلحة (44 عاما)، والد الطفلة ريتاج، بعدما أقعدته إصابة تعرض لها في قصف إسرائيلي.
يقول خميس: "بعد تدمير منزلنا المكون من 4 طوابق، أصبحنا نعيش داخل خيام ضيقة على مدرجات الملعب".
ويضيف: "نقسم أنفسنا على درجات المدرجات الضيقة، ولا نستطيع حتى الجلوس معا على مائدة واحدة".
وتابع: "ظروف الحياة قاسية جدا، كما أن إصابتي منعتني من العمل وإعالة أسرتي".
ويتحدث عن ما يفتقده الأطفال في هذه الأيام، فيقول: "أطفالي يحتاجون إلى ملابس وحلوى ليشعروا بالعيد، لكني لا أستطيع توفيرها".
ويعجز معظم أهالي غزة عن شراء ملابس العيد لأطفالهم بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وينظر خميس إلى أطفاله قائلا: "يحزنني أن أرى الحرمان في عيونهم وأنا عاجز عن فعل شيء لهم"، لافتا إلى أن أطفاله "يريدون أن يفرحوا كما كانوا سابقا، لكن الحياة لم تعد كما كانت".
وكانت مظاهر العيد قبل حرب الإبادة الإسرائيلية تتجلى في الشوارع المزينة بالأنوار والأعلام، والزيارات العائلية والرحلات إلى الشواطئ والمتنزهات، إضافة إلى تجمع العائلات حول موائد الأضاحي في أجواء من الفرح والتكافل.


























