مقالات

د. أحمد محمد خليل يكتب: اليوم العالمى للكتاب.. بين التأمل والنقد

خط أحمر

في زمن تتسارع فيه الشاشات… هل ما زال الكتاب قادرًا على إنقاذ الإنسان من ضجيج العالم؟ وفي زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات، وتختصر فيه المعرفة في سطورٍ عابرة، يطلّ علينا اليوم العالمي للكتاب ليطرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: هل ما زلنا نقرأ لنفهم، أم نقرأ لنمرّ فقط؟
لم يكن الكتاب يومًا مجرد أوراقٍ تُقلَّب، بل كان عبر العصور وعاءً للوعي الإنساني، وجسرًا ممتدًا بين الأجيال، وقد إرتبط هذا اليوم بأسماء خالدة في تاريخ الأدب العالمي، مثل ويليام شكسبير وميغيل دي ثيربانتس، وكأن العالم يذكّرنا بأن الكتابة الحقيقية لا تموت، بل تتجدد في كل قراءة، ولعل اختيار هذا اليوم تحديدًا للإحتفاء بالكتاب، بما يحمله من دلالات تاريخية مرتبطة برحيل عمالقة الأدب، وفي مقدمتهم ويليام شكسبير، ليس مجرد مصادفة زمنية، بل إشارة عميقة إلى خلود الكلمة وقدرتها على تجاوز حدود الزمن، فشكسبير، الذي ما تزال نصوصه تُقرأ وتُؤوَّل حتى اليوم، يقدّم نموذجًا حيًا لكيف يمكن للأدب أن يلامس جوهر الإنسان، وأن يظل حاضرًا في وعينا مهما تغيّرت العصور، الجدير بالذكر أن الواقع الثقافي اليوم يفرض علينا مواجهة صريحة: هل تراجع حضور الكتاب أمام طغيان الوسائط الرقمية؟ لقد أصبحت المعلومة سريعة، متدفقة، لكنها في كثير من الأحيان سطحية، تفتقر إلى العمق الذي تمنحه القراءة المتأنية، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين أن "تطّلع" وأن "تفهم"، بين أن "تستهلك" المعرفة وأن "تنتج" وعيًا،
ولاشك أن القراءة لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت ضرورة وجودية، فالكتاب الجاد لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يربّي فينا القدرة على التساؤل، وعلى الشك المنتج، وعلى إعادة النظر في المسلّمات، ومن هنا، يصبح الكتاب فعل مقاومة في وجه الجهل، وضد إختزال الإنسان في كائنٍ مستهلك للمحتوى، وعلى المستوى الشخصي، لم تكن علاقتي بالكتاب يومًا علاقة عابرة، بل كانت علاقة تشكُّل ووعي، ومن خلال تجربتي الأخيرة في الترجمة الأدبية والأدب الأمريكى، حيث قمت بترجمة وتقديم الرواية الأمريكية (الأشياء التي حملوها) للكاتب الأمريكى تيم أوبراين الصادرة عن دار درة الشرق وتم طرحها فى معرض القاهرة الدولى للكتاب يناير ٢٠٢٦، أدركت أن الكتاب لا ينقل فقط حكايات الشعوب، بل ينقل أيضًا مشاعرها وأسئلتها العميقة، ويكشف عن إنسانيتنا المشتركة رغم إختلاف اللغات والثقافات وفي عالمنا العربي، تظلّ معارض الكتاب، مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب، مساحة مضيئة تذكّرنا بأن الشغف بالقراءة لم ينطفئ، لكنه يحتاج إلى دعم حقيقي، وإلى مشروع ثقافي يعيد للكتاب مكانته في حياة الإنسان اليومية، لا كموسم إحتفالي، بل كعادة مستمرة وختاما، أرى أن السؤال الذي يطرحه اليوم العالمي للكتاب لا يتعلق بعدد ما نقرأ، بل بكيفية ما نقرأ، فليست العبرة بتكديس الكتب، بل بقدرتنا على التفاعل معها، وعلى تحويل القراءة إلى وعي، والوعي إلى موقف، ربما لا يغيّر الكتاب العالم فورًا، لكنه بلا شك يغيّر الإنسان، والإنسان هو من يغيّر العالم، وللحديث بقية إن شاء الله.

[email protected]

د. أحمد محمد خليل اليوم العالمى للكتاب بين التأمل والنقد خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة