مقالات

إبراهيم نصر يكتب: المتطاولون على القرآن الكريم.. يجهلون فلسفة شريعة الإسلام

خط أحمر

لطالما كان القرآن الكريم مادة لمحاولات النقد التي تغفل عن السياق الكلي للنص وتجتزئ الأحكام من مقاصدها. ومن أكثر القضايا التي يساء فهمها هي قضية "شهادة المرأة" في آية الدين، حيث يتخذها البعض ذريعة لاتهام الإسلام بانتقاص أهلية المرأة، بينما الحقيقة تكمن في "توزيع الأدوار" لا "تفاضل الذوات" ويتضح ذلك فيما يلى:
أولاً: قبل الخوض في تفاصيل "آية الدين"، يجب تصحيح خطأ معرفي يقع فيه المتطاولون الذين يجهلون فلسفة الشريعة الإسلامية؛ فالمرأة في الإسلام ليست "نصف رجل" بإطلاق، بل هناك حالات تتفوق فيها شهادتها أو تتساوى ومن ذلك:
* شهادة المرأة وحدها تُقبل منفردة (ولا تُقبل شهادة الرجل) في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء عادةً، مثل الرضاع والولادة.
* في باب "اللعان" بين الزوجين، جعل القرآن شهادة المرأة تدفع عنها العذاب وتساوي شهادة الرجل تماماً.
* فى الرواية والعلم، لم يفرق علماء المسلمين قط بين الرجل والمرأة في قبول الحديث النبوي أو الفتوى؛ فقول السيدة عائشة (رضي الله عنها) كان مرجعاً لكبار الصحابة.
ثانياً: بالنظر فى آية الدَّيْن، نجد أن الهدف "الاستيثاق" لا "إهانة المرأة"
يقول الله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى" [البقرة: 282].
إن عظمة التشريع في هذه الجزئية تظهر من خلال النقاط التالية:
1. التعليل القرآني: القرآن لم يقل "لأن عقلها ناقص"، بل قال {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}، والضلال هنا هو النسيان أو الذهول الناتج عن عدم ممارسة هذه المعاملات المالية المعقدة في ذلك الوقت.
2. مبدأ "المساندة": وجود امرأتين ليس لأن الواحدة "نصف شخص"، بل لتوفير دعم نفسي ومعرفي؛ فالمرأة بطبيعتها قد تتهيب مواقف النزاعات القضائية، فجعل الله معها "عضداً" لتستأنس بها وتذكرها إذا نسيت.
3. وظيفة الشهادة: الشهادة في الإسلام ليست "امتيازاً" أو "تشريفاً" بل هي عبء ومسؤولية ومخاطرة. فالإسلام أراد حماية المرأة من كلفة التردد على مجالس الخصومات المالية التي يغلب عليها طابع الصراع.
ثالثا: عظمة التشريع الإسلامي أن نظرته شمولية، ولا ينظر للمرأة والرجل كخصمين في حلبة سباق، بل ككيانين يتكاملان لبناء الأسرة والمجتمع، فالهدف هو:
* العدالة لا المساواة الحسابية: أى أن الإسلام أقام العدل بناءً على الخصائص والتكاليف. فبينما خفف عن المرأة في الشهادة المالية، أوجب على الرجل النفقة الكاملة والمهر وحماية الأسرة.
* الواقعية: فالتشريع الإسلامي واقعي؛ لذا نجده يراعي التكوين النفسي والبيولوجي والاهتمامات الغالبة لكل جنس، دون أن يغلق باب الكفاءة أمام أي منهما.
أخيرا أقول: إن المتطاولين على القرآن الكريم أمثال المدعو محمد الباز ورفاقه ينظرون إلى "العدد" ويغفلون عن "المقصد". ولا يدركون أن نظام الشهادة في الإسلام هو نظام استيثاق للحقوق وليس نظام تقييم للبشر. ولو كان الإسلام ينتقص من عقل المرأة، لما جعلها مؤتمنة على نقل نصف الدين (السنة النبوية) بكلمتها المنفردة، وعظمة هذا الدين تكمن في أنه لم يساوِ بين الناس مساواة "آلية" تظلم الضعيف، بل أنصفهم بوضع كلٍ في مكانه الذي يحفظ كرامته ويضمن دقة العدالة.
[email protected]

إبراهيم نصر المتطاولون على القرآن الكريم يجهلون فلسفة شريعة الإسلام خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة