مقالات

الدكتور أحمد عبود يكتب: الخطر القادم من الجنوب… حين يعود الاستعمار بثوبٍ جديد

خط أحمر

ليس ما يجري في السودان وليد اللحظة، ولا هو صراعًا عابرًا على سلطة أو نفوذ داخلي، بل حلقة ممتدة في حلمٍ استعماري قديم لم يمت، حلمٍ غربي يقوم على تفتيت الدول من الداخل بدل احتلالها من الخارج، وعلى تقسيم المجتمعات على أسس عرقية ودينية وقبلية، حتى تتحول الأوطان إلى خرائط ممزقة يسهل التحكم فيها ونهب ثرواتها. والسودان، بتاريخه العريق وتنوعه الإنساني الهائل وثرواته الطبيعية الضخمة، كان ولا يزال هدفًا مغريًا لهذا المشروع.
منذ الحقبة الاستعمارية، وضعت بريطانيا اللبنات الأولى لهذا التفكيك حين اعتمدت سياسة «الأسوار المغلقة»، ففصلت الجنوب عن الشمال، وعطلت التمازج الطبيعي بين أبناء الوطن الواحد، وزرعت في الوعي الجمعي فكرة الاختلاف والصدام بدل التكامل والتنوع. لم تكن تلك السياسة إجراءً إداريًا عابرًا، بل كانت تأسيسًا واعيًا لشرخٍ عميق، جرى تعميقه لاحقًا عبر تغذية النعرات القبلية والدينية، وإعادة إنتاجها كلما سنحت الفرصة.
ومع تغير أدوات العصر، لم يتغير جوهر المخطط. اليوم لا تحتاج القوى الاستعمارية إلى جيوشٍ نظامية ولا إلى أعلامٍ تُرفع فوق القصور، بل تكتفي بزرع عملاء وخونة، وتمويل جماعات مسلحة، وتحويل الخلافات الاجتماعية إلى صراعات دموية. تُشكَّل عصابات تحت شعارات براقة أو مظالم حقيقية يتم تضخيمها، ثم يُدفع بها للسيطرة على مناطق الثروات، وعلى رأسها الذهب، ذلك المعدن الذي صار لعنة على كثير من الدول الإفريقية بدل أن يكون نعمة.
الذهب السوداني لم يكن يومًا مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح محور صراع دولي خفي، تُدار معاركه بأيدٍ محلية وعقولٍ خارجية. السيطرة على المناجم تعني التحكم في القرار، وإدامة الفوضى تعني استمرار النهب دون مساءلة. وفي ظل دولة منهكة بالصراعات، يصبح الحديث عن السيادة ترفًا، وتضيع حقوق الشعوب بين فوهات البنادق وصفقات الظل.
الخطر الحقيقي القادم من الجنوب لا يكمن في الجنوب كجغرافيا أو كإنسان، بل في المشروع الذي يستغل آلامه ويستثمر في جراحه. فالسوداني الجنوبي ليس عدوًا للسوداني الشمالي، والقبيلة ليست نقيض الوطن، والدين لم يكن يومًا سببًا للحروب بقدر ما كان ضحية لها. العدو الحقيقي هو من يشعل الفتنة ثم يقف متفرجًا، ومن يقسم الوطن ثم يدّعي الحياد، ومن ينهب الثروات ثم يتحدث عن حقوق الإنسان.
إن إنقاذ السودان لا يكون بالسلاح وحده، ولا بالشعارات، بل بإعادة الوعي بالتاريخ، وفهم جذور الأزمة، وكشف الدور الاستعماري القديم المتجدد، وبناء مشروع وطني جامع يُعلّي قيمة المواطنة فوق كل انتماء ضيق. فالدول لا تسقط فجأة، بل تُنهك أولًا، وتُفرَّق، ثم تُؤكل قطعةً قطعة. والسودان اليوم يقف على مفترق طرق، إما أن يكون عبرة في كتب التفكيك، أو شاهدًا على أن الشعوب حين تعي مخططات أعدائها، تستطيع إفشالها مهما طال الزمن.

الدكتور أحمد عبود الخطر القادم من الجنوب حين يعود الاستعمار بثوبٍ جديد خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة