الجمعة 23 أكتوبر 2026 08:52 مـ 11 جمادى أول 1448 هـ
خط أحمر
رئيس مجلس الإدارة محمد موسى نائب رئيس مجلس الإدارة هشام موسي
رئيس مجلس الإدارة محمد موسى نائب رئيس مجلس الإدارة هشام موسي
×

د.أحمد محمد خليل يكتب: حين تصبح الأحكام الظالمة هي «الفاشوش»..قراقوش بين التاريخ والحكاية

الجمعة 23 أكتوبر 2026 08:29 مـ 11 جمادى أول 1448 هـ
د.أحمد محمد خليل يكتب: حين تصبح الأحكام الظالمة هي «الفاشوش»..قراقوش بين التاريخ والحكاية



[email protected]
بدعوة كريمة من إدارة المنتدى العالمي للغة العربية بإسبانيا برئاسة ا.باهرة عبداللطيف ونائب الرئيس د.طارق النعمان ، تشرفت بالمشاركة في الندوة الثقافية «قراقوش بين التاريخ والحكاية.. قراءة في الفاشوش في أحكام قراقوش»، التي قدمها د.عمرو منير، وأدارها وعقّب عليها د.عماد أبو غازي، بمشاركة نخبة من الأساتذة والمفكرين والمهتمين بالشأن الثقافي من الجامعات العربية، وقد أتاحت الندوة فرصة مهمة لإعادة النظر في واحدة من الشخصيات التي تجاوزت حدود التاريخ لتستقر في الذاكرة الشعبية، ليس بوصفها شخصية تاريخية فحسب، وإنما باعتبارها رمزًا للأحكام الجائرة والقرارات التي تصادم العقل والمنطق والعدالة، وفي مقالى هذا أستعرض وجهة نظرى التى تنطلق من سؤال جوهري: هل نحن أمام قراقوش الذي عرفه التاريخ، أم أمام قراقوش الذي صنعته الحكاية، ثم أعادت الذاكرة الشعبية إنتاج صورته جيلًا بعد جيل؟

إن بهاء الدين قراقوش شخصية ارتبطت بالعصر الأيوبي، وعُرف بأدواره الإدارية والعمرانية في عهد صلاح الدين الأيوبي. غير أن صورته في الوعي الشعبي ارتبطت أساسًا بكتاب «الفاشوش في أحكام قراقوش» المنسوب إلى الأسعد بن مماتي، وبما تضمنته الروايات المتداولة من أحكام ومواقف ساخرة وغريبة، وهنا ينبغي التمييز بين الشخصية التاريخية والصورة الأدبية التي رسمتها الحكايات؛ فليس كل ما يُروى عن شخصية تاريخية حقيقة ثابتة، كما أن شيوع رواية ما لا يمنحها بالضرورة صفة الوثيقة التاريخية، فالحكاية تمتلك أدواتها الخاصة في التأثير والانتشار؛ إذ تعتمد على المفارقة والمبالغة والموقف الصادم، وتستطيع أن تختزل شخصية كاملة في صفة واحدة، حتى يصبح الاسم نفسه مرادفًا لمعنى محدد في اللغة اليومية، وهكذا لم يعد قراقوش مجرد اسم يستدعي حقبة تاريخية، بل صار تعبيرًا ثقافيًّا عن الحكم الذي يفتقر إلى العدل، والقرار الذي يتجاهل العقل، والسلطة التي تتصور أن إرادتها وحدها كافية لصناعة الحق، لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الأدب الساخر؛ فالسؤال الأعمق فى تقديرى يتعلق بكيفية تشكّل الذاكرة الجمعية، وبقدرة الحكاية على أن تصبح، مع مرور الزمن، أكثر حضورًا من الوقائع التي يُفترض أنها تستند إليها.

لعل أهم ما استوقفني في هذه القراءة أن مصطلح «الفاشوش» يمكن أن يتجاوز حدود الكتاب الذي ارتبط به، ليصبح مدخلًا للتفكير في طبيعة الأحكام الظالمة، قديمها وحديثها، وفي تقديري، فإن الفاشوش الحقيقي ليس مجرد حكاية مضحكة عن حاكم يصدر أحكامًا غريبة، بل هو كل حكم يفقد صلته بالعدل، وكل قرار يُفرض دون سند من الحق أو المنطق، وكل سلطة تجعل إرادتها بديلًا عن الإنصاف، فالحكم الجائر قد يبدو في ظاهره قرارًا رسميًّا مكتمل الأركان، وقد يصدر في لغة حاسمة توحي باليقين، لكنه يظل فاقدًا لقيمته الأخلاقية إذا تجاهل الحقوق أو استهان بكرامة الإنسان أو ساوى بين المختلفين دون حق، والعدالة ليست مجرد سلطة إصدار الأحكام، وإنما هي مسؤولية تقتضي التحقق، وسماع الأطراف، وفهم الملابسات، والاحتكام إلى معايير منصفة لا تتغير بتغير الأشخاص والمصالح، ومن هنا، فإن قراقوش في صورته الشعبية يتيح لنا قراءة تتجاوز شخصه إلى ظاهرة أوسع: ظاهرة الحكم حين ينفصل عن الحكمة، والقرار حين ينفصل عن المسؤولية، والقوة حين تتوهم أنها تغني عن الحق، وليس المقصود أن نُسقط أحكام الحكايات القديمة على أشخاص أو مؤسسات معاصرة، وإنما أن نستخلص منها معيارًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا صالحًا لكل زمان: لا قيمة لحكم لا يحقق العدل، ولا مشروعية أخلاقية لقرار يجعل من الإنسان ضحية للهوى أو التعسف.

وعلى الجانب الآخر، من منظور نقدي، لا ينبغي أن نتعامل مع «الفاشوش» باعتباره سجلًّا موثوقًا لكل ما فعله قراقوش، كما لا ينبغي أن نرفضه لمجرد انتمائه إلى الأدب الساخر، فالنص الأدبي قد لا يكون وثيقة تثبت وقوع الأحداث، لكنه قد يكشف عن تصورات المجتمع ومخاوفه وموقفه من السلطة، كما يمكن أن يعبّر عن صراعات عصره ومصالح أطرافه، ومع ذلك، فإن تفسير أسباب تشكّل الصورة السلبية لقراقوش، بما في ذلك احتمال تأثير الخصومات السياسية والإدارية، يظل بحاجة إلى قراءة المصادر التاريخية وموازنتها، بعيدًا عن الأحكام القطعية التي لا تسندها أدلة كافية، وهنا تظهر أهمية النقد؛ فهو لا يكتفي بترديد الموروث، ولا يسعى إلى تبرئة الشخصية أو إدانتها مسبقًا، وإنما يختبر الرواية، ويميز بين الخبر والتأويل، وبين الشخصية التاريخية وصورتها في (المخيال الشعبي)، وقد تكون الحكاية، في بعض الأحيان، أصدق تعبيرًا عن موقف المجتمع من السلطة من كونها وصفًا دقيقًا لما وقع بالفعل. إنها تكشف لنا كيف أراد الناس أن يتذكروا شخصية ما، وما المعاني التي حمّلوها لاسمها، وكيف تحولت النوادر إلى جزء من اللغة والثقافة.

وبالنسبة لإنعكاس القصة على الحاضر، فإن أهمية هذه القضية لا تنحصر في استعادة شخصية من الماضي؛ فنحن نعيش في زمن تتسارع فيه الأخبار والأحكام والانطباعات، وقد تتحول رواية غير مكتملة أو صورة مبتسرة إلى حقيقة متداولة في أذهان الناس، وقد يُظلم الإنسان بحكم متعجل، أو باتهام لم يخضع للتحقق، أو بقرار يتجاهل ظروفه وحقوقه. وعندئذ لا تكون المشكلة في غرابة الحكم فحسب، بل في آثاره الإنسانية، وفي صعوبة تصحيح الصورة بعد أن تستقر في الوعي العام، وهذا ما يجعل قراءة قراقوش ذات دلالة معاصرة؛ إذ تذكرنا بأن العدالة ليست ترفًا فكريًّا، وأن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، وأن الحكم على الآخرين مسؤولية لا ينبغي أن تخضع للانفعال أو الشائعات أو المصالح العابرة، وإذا كانت الحكاية الشعبية قد خلّدت قراقوش في صورة الحاكم الذي يصدر أحكامًا مثيرة للسخرية، فإن واجبنا اليوم أن نتجاوز الضحك إلى التأمل، وأن نسأل أنفسنا: كم من حكم قد يبدو حاسمًا في صياغته، لكنه يفتقر إلى الإنصاف في مضمونه؟ وكم من قرار قد يستند إلى سلطة صاحبه، دون أن يستند بالقدر نفسه إلى الحق؟، فإن استدعاء التاريخ لا تكون قيمته الحقيقية في إعادة إنتاج الحكايات، بل في تحويلها إلى أسئلة تساعدنا على فهم الحاضر، ومراجعة أحكامنا، والتمسك بمعايير العدالة.

وختاما أخلص إلى أن قراقوش، بعيدًا عن الجدل حول صورته التاريخية، يظل مناسبة للتأمل في قيمة العدالة ومعنى المسؤولية؛ فالحكاية قد تبالغ، والتاريخ قد يحتاج إلى مراجعة، لكن الظلم يظل ظلمًا مهما اختلفت العصور أو تبدلت الأسماء، فإذا كان «الفاشوش» قد ارتبط في الذاكرة الشعبية بأحكام قراقوش، فإن الفاشوش في معناه الأوسع هو كل حكم ظالم يُفرغ العدالة من مضمونها، ويجعل من السلطة بديلًا عن الحق، ومن القرار نقيضًا للإنصاف، وهنا تكمن العبرة التي تستحق أن تبقى من الحكاية: ليس المهم أن نضحك من حكم ظالم مضى، بل أن نمتلك من الوعي ما يمنع تكرار الظلم في حاضرنا، وللحديث بقية ان شاء الله.