فلسطين وليبيا والسودان..3 ملفات على رأس أولويات الدبلوماسية المصرية
خلال السنوات الماضية ومع تفجر الصراعات والنزاعات في عدد من دول المنطقة تحركت الدبلوماسية المصرية وفقا لعدد من المحددات الأساسية لحل القضايا الشائكة علي الساحتين الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الحفاظ على الأمن القومي ووحدة الدول التي تشهدا نزاعات والحفاظ على مؤسسات الدولة ونبذ الفرقة ورفض التدخلات الأجنبية في شئونها.
ووفقا لهذه المحددات تحركت الدبلوماسية المصرية لحل الأزمات في سوريا وليبيا واليمن والسودان، لإيمان مصر بأن أبناء كل وطن هم الأحق بمساندته فى أزماته والأجدر بتجاوزها بعيدا عن التدخلات الخارجية التي تعمل على تغذية الصراعات، وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فإن موقف مصر الراسخ والثابت على الداوم هو دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وحقه في أقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي الفترة الأخيرة تصاعدت الأحداث والتطورات في 3 ملفات أساسية وهي فلسطين والسودان وليبيا، الأمر الذي استدعى تحركا سريعا ومكثفا للدبلوماسية المصرية نظرا لارتباطها الشديد بالأمن القومي المصري، ومن المتوقع أن تتواصل التحركات المصرية تجاهها خلال الفترة القادمة.
دعم القضية الفلسطينية
إن إرتباط مصر بقضية فلسطين هو ارتباط دائم ثابت تمليه اعتبارات الأمن القومي المصري وروابط الجغرافيا والتاريخ والدم والقومية مع شعب فلسطين، لذلك لم يكن الموقف المصري من قضية فلسطين في أي مرحلة يخضع لحسابات مصالح آنية، ولم يكن أبداً ورقة لمساومات إقليمية أو دولية، لذلك لم يتأثرارتباط مصر العضوي بقضية فلسطين بتغير النظم والسياسات المصرية، فقبل ثورة 23 يوليو 1952 كان ما يجرى في فلسطين موضع اهتمام الحركة الوطنية المصرية، وكانت مصر طرفاً أساسياً في الأحداث التي سبقت حرب عام 1948، ثم في الحرب ذاتها التي كان الجيش المصري في مقدمة الجيوش العربية التي شاركت فيها ثم كانت الهزيمة في فلسطين أحـد أسباب تفجر ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة الضباط الأحرار الذين إستفزتهم الهزيمة العسكرية.
ونجحت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى انتزاع مواقف دولية للحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي الضاري على قطاع غزة والضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر الماضي، والحيلوولة دون واتساع رقعة الصراع إلى مناطق أخرى.
وعملت مصر على دفع الأطراف الدولية على التعاون المشترك من أجل منع تصفية القضية الفلسطينية ورفض التهجير القسري للفلسطينيين من غزة والضفة المحتلة، وسبل دفع مسار إحياء عملية السلام، بهدف الوصول إلى آلية تنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس، وفقاً لمقررات الشرعية الدولية.
ونجحت الدبلوماسية المصرية في منع مباركة خطة إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من غزة، وهو ما بدا واضحا في تحول الموقف الأمريكي وتأكيد احترام سيادة مصر واحتياجات أمنها القومي، والالتزام بضمان عدم تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر أو أي دولة أخرى، وهو ما يعكس نجاحا لدور مصر الإقليمى ودورها المؤثر في الساحة الدولية والعالمية لصالح دعم القضية الفلسطينية وحقوقها.
ويعد التحدى الأبرز خلال الفترة القادمة، مع استمرار الجهود المصرية لوقف إطلاق النار الدائر منذ أكثر من شهرين بقطاع غزة فى تحدى صارخ وخطير لكل القوانين والأعراف الدولية، بالإضافة إلي ما سيتم التنسيق لتنفيذه بعد وقف إطلاق النار وعودة الحياة للقطاع مرة أخرى، والسعى للوصول لإطار تنفيذي لحل الدولتين، نظرا لوجود توجه دولى قوى عكسته التصريحات العديدة والتى أكدت أن حل الدولتين هو الحل الذى يؤدى إلى إنهاء الصراع وهذا أمر ضروري.
حل أزمة السودان
منذ اندلاع الأزمة السودانية في إبريل الماضى، سخرت مصر كافة مؤسساتها المعنية لإحتواء الأزمة وحقن دماء الشعب السوداني ، في إطار السياسة الخارجية المصرية وثوابتها، المتمثلة فى استقرار ووحدة السودان وعدم التدخل فى شئونه الداخلية ، وسلامة شعبه الشقيق ،وتقديم كل المساعدات الممكنه له، وكذلك الحفاظ علي الأمن القومي المصري ، بدءا من حرص الرئيس عبدالفتاح السيسي وتأكيده علي نزع فتيل الأزمة واتصالاته مع كافة الأطراف السودانية، الإفريقية، العربية والدولية ، وكذلك تحركات وزارتا الخارجية والهجرة بالتنسيق مع المؤسسات الأخرى، لمعالجة الأزمة وتبعاتها علي الجالية المصرية في السودان.
وقدمت مصر تصورها لخروج السودان من مأزقه الراهن الذي يرتكز على مطالبة الأطراف المتحاربة بوقف التصعيد، والبدء دون إبطاء، في مفاوضات جادة تهدف للتوصل لوقف فوري ومستدام، لإطلاق النار،وتسهيل كافة المساعدات الإنسانية، وإقامة ممرات آمنة، لتوصيل تلك المساعدات، للمناطق الأكثر احتياجا داخل السودان ووضع آليات، تكفل توفير الحماية اللازمة لقوافل المساعدات الإنسانية، ولموظفي الإغاثة الدولية لتمكينهم من أداء عملهم، وإطلاق حوار جامع للأطراف السودانية، بمشاركة القوى السياسية والمدنية، وممثلي المرأة والشباب يهدف لبدء عملية سياسية شاملة، تلبي طموحات وتطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والديمقراطية.
كما دعت مصر دول الجوار السوداني إلى توحيد رؤيتها ومواقفها تجاه الأزمة في السودان، واتخاذ قرارات متناسقة وموحدة تسهم في حل الأزمة، بالتشاور مع أطروحات المؤسسات الإقليمية الفعالة، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربيةحفاظا على مصالح ومقدرات شعوب دول الجوار وأمن واستقرار المنطقة ككل.
الحفاظ على وحدة ليبيا
"موقف مصر تجاه ليبيا تاريخي منذ الغزو الإيطالي .. لعل هذا التصريح الذى أدلى به رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مؤخرًا يلخص طبيعة الدور المصرى فى حل الأزمة السياسية فى ليبيا منذ إندلاعها وصولًا بتأكيد صالح على أنه من المستحيل تخلي مصر عن ليبيا، بالإضافة الى أن أمن مصر من أمن واستقرار ليبيا.
ويتضح الموقف المصرى من الأزمة وإصرار مصر على مساعدة ليبيا للخروج من أزمتها بحل سياسي ليبيى ليبى، وهو ما ظهر جليًا من خلال المبادرة التى أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى وسميت "إعلان القاهرة" تمهيدًا لعودة الحياة الطبيعية الى ليبيا مع التحذير من التمسك بالخيار العسكرى لحل الأزمة؛ حيث تضمنت الالتزام بإعلان دستوري ليبي وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، كما تهدف لضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب.
وتتلخص ثوابت الموقف المصري من الأزمة في ليبيا فى احتفاظ الدولة الليبية بكيانها الموحد كدولة وطنية، والحرص على حماية ثروات ليبيا من الإهدار والتوظيف السلبي كوقود للصراع الدائر، مع الإلتزام بتوجيه جهود مصر لدعم وإسناد المؤسسات الليبية الدستورية، من خلال دعم الدولة الوطنية الليبية، واستعادة سيادتها كاملة، وتوحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية والتنفيذية، وإنهاء سطوة التنظيمات العسكرية غير القانونية، وإبعاد المرتزقة وغيرهم، وإنهاء التواجد العسكرى غير الشرعى لأي طرف كان.
والأهم من كل ذلك لم تلجأ مصر إلى فرض تواجد لها على الأرض الليبية، وسعت دائماً إلى التنسيق مع المؤسسات الليبية فى مجالات الاهتمام المشترك، كما حرصت على حماية الحدود المشتركة من الأرض المصرية دون غيرها، كما ركزت التحركات المصرية على قطع الطريق أمام محاولات التنظيمات الإرهابية لاتخاذ ليبيا كقاعدة للتمدد والانتشار في شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء وأوروبا، ووقف الأنشطة الخارجية لاستغلال المشهد الليبي في انتهاك سيادة الدولة.


.png)







