مقالات

محمد محفوظ يكتب: ‎بين هري حمدين صباحي إلى صابرين وشاكرين.. المواطن عايش بالسلف والدين

خط أحمر

‎يبدو أن الذاكرة السياسية لبعض النخب مصابة بداء التكرار الممل؛ فبين الحين والآخر تعود إلى الواجهة نفس الوجوه القديمة، مصحوبة بنفس الجدل العقيم والصخب المفتعل الذي لا طائل من ورائه. فجأة، ومن دون مقدمات منطقية، يشتعل النقاش مجدداً حول حمدين صباحي؛ ما بين مؤيد يرى فيه رمزاً لمرحلة ولّت ويبحث له عن دور في قادم الأيام، ومعارض يرى في ظهوره مجرد محاولة لإعادة تسويق بضاعة استُهلكت تماماً ولم تعد صالحة للاستخدام السياسي أو الجماهيري.
‎والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بكل موضوعية وقسوة: هل المشهد بحاجة حقيقية لعودة هذا الوجه؟ وما طبيعة الدور الذي ينتظره؟ هل يستعد صديقه الصدوق، المخرج خالد يوسف، لإسناد دور البطولة له في عمل سينمائي درامي جديد، يعيد إنتاج تيمات الماضي على غرار «هي فوضى» أو «جواز بقرار جمهوري»، حيث تختلط المأساة بالملهاة في كادر ضيق لا يتسع إلا للنخبة وأوهامها؟ أم أن الأنسب للحالة برمتها هو استدعاء سينما المخرج الراحل نادر جلال، ليجسد الجميع معاً رائعة «بطل من ورق»؟
‎إنها بالفعل حالة أقرب ما تكون إلى "أبطال من ورق"؛ شخصيات تتحرك على رقعة مفرغة، تجيد الوقوف أمام الكاميرات وتدوير العبارات الرنانة والمصطلحات الحنجورية التي عفا عليها الزمن، في حين تنفصل تماماً وبشكل شبه كامل عما يدور على الأرض من وقائع حارقة وأوجاع حقيقية.
‎الحقيقة التي يتهرب منها المشتغلون بالجدل السياسي في صالوناتهم المكيفة هي أن وجود حمدين أو غيابه لم يعد يُغني ولا يُسمن من جوع. لقد تجاوز الزمن هذه الثنائيات المصطنعة، لأن الواقع بات محكوماً بقانون واحد صارم: لقمة العيش. فالجوع كافر، وحين يجوع المواطن وتسحقه أعباء المعيشة، تسقط كل التنظيرات، وتصبح الأسماء اللامعة مجرد أصوات مشوشة في خلفية مشهد حزين ومأساوي.
‎في كل صباح، يستيقظ المواطن البسيط ليخوض معركة البقاء اليومية. لا تعنيه تصريحات الموالاة التي تبيع له الوعود الوردية، ولا جعجعة المعارضة التي لا تقدم بديلاً ولا تملك سوى الشكوى والثرثرة. هذا المواطن المطحون يجد نفسه مجبراً على تقمص أدوار شاقة لا دخل للسياسة فيها:
‎ يرتدي ثوب «صابرين»، يبتلع مرارة الغلاء الفاحش، ويواجه فواتير متصاعدة وأسعاراً تتضاعف بلا رحمة ولا رقيب، محاولاً التماسك أمام نظرات أولاده التي تسأل عن أبسط حقوق الحياة.
‎ ثم يُجبر على أن يكون في زمرة «شاكرين»، يردد الكلمات المعلبة ويظهر الرضا قسراً خوفاً من السقوط في بئر اليأس، أو تجنباً لإعلان عجزه التام عن مجاراة متطلبات يومه.
‎ ليدخل في نهاية المطاف في الدائرة الجهنمية الأقسى: «عايش بالسلف والدين». أصبح راتبه يتبخر في اليوم الأول، وتحولت حياته إلى سلسلة لا تنتهي من الاقتراض، والجمعيات، وتأجيل الالتزامات، وتدوير الديون من شخص لآخر لسداد رمق أسرة تترقب الغد بقلق ورعب.
‎كيف لمن يقضي يومه في حساب ثمن رغيف الخبز وكيلو اللحم ومصاريف المدارس وعلاج المرضى أن يكترث بسجال حول من يترشح ومن يقاطع ومن يظهر على شاشات الفضائيات؟ إنها حالة من الانفصال التام والانعزال المريب؛ نخبة تتصارع على مساحة ظهور إعلامي أو مقعد شرفي، وشعب يئن تحت وطأة اقتصاد يطحن الطبقة المتوسطة قبل الفقيرة.
‎المشهد الحالي لا يحتاج إلى "كومبارس" من أرشيف الماضي ليؤدي مشهداً مكرراً سئم الجمهور مشاهدته، ولا يحتاج إلى صراعات وهمية تصنع جعجعة بلا طحين. ما يحتاجه هذا الوطن هو رؤية اقتصادية واجتماعية شجاعة تنظر في عين المواطن مباشرة،  وأن الكلمات المنمقة لا تطعم جائعاً، وأن كرامة الإنسان تبدأ من قدرته على العيش مستوراً دون أن يطرق أبواب الدائنين.
‎حين تتكلم بطون الجياع وصرخات المحتاجين، فلتصمت كل النخب؛ فلا تسألوا وقتها عن حمدين، ولا تدعوا الناس أن يظلوا فقط صابرين وشاكرين، بينما الحقيقة الوحيدة الصادمة هي أن المواطن يُسحق كل يوم بالسلف والدين.

محمد محفوظ  ‎بين هري حمدين صباحي صابرين شاكرين خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة