الدكتور محمد حسين يكتب: وهم ”العصرنة”: حين تُزعج الشعائر صورة ”المول”


تختزل واقعة منع مدير إحدى المطاعم بمول العرب لسيدة من أداء صلاتها في زاوية جانبيّة فارغة مشهدًا أبصَر من مُجرد مشادة عابرة بين زبونة وإدارة محل؛ إنها تفتح الجرح المسكوت عنه حول سطوة الثقافة الاستهلاكية، وتلك الرغبة المحمومة لدى بعض المساحات التجارية المصممة على النمط الغربي في تغريب الواقع المصري، واجتثاث مظاهره الأصيلة لصالح صورة ذهنية براقة مصنوعة.
تذرّعت إدارة المطعم بوجود «مصلى مخصص»، وهو عذر يختبئ خلف تنظيم ظاهري ليخفي إقصاءً فكرياً. فمن الناحية الفقهية، تُبطل الشريعة الإسلامية هذه الأكذوبة بوضوح؛ إذ إن الصلاة لم تُربط يوماً بكتالوج معماري أو حيز هندسي محدد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا".
والشرع لا يشترط لصحة الصلاة سوى طهارة البقعة وعدم غصبها أو إعاقة حركة الناس. والمصليات الملحقة بهذه المراكز إنما وجدت لتيسير العبادة لا لتحولها إلى أداة حظر وتقييد للفرائض عند تعذر الوصول إليها أو ضيق الوقت.
ولعل الذريعة الأشد تهافتًا هي نغمة «إنها سياسة المحل!»؛ وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل تملك «سياسة المحل» صلاحية تلوى بها أعناق القوانين وتتخطى بها أحكام الدستور والشرع؟!
إن أي لائحة داخلية لأي كيان تجاري لا قيمة لها إن خالفت المنظومة التشريعية للدولة. والدستور المصري واضح في مادته الـ(64) التي تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية، والمادة الـ(53) التي تحظر التمييز وتكفل المواطنة. والمستفاد من نصوص المواد 5، 80، 89، 802 من القانون المدن أن المنشأة حين تفتح أبوابها للجمهور تصبح مقصداً عامّاً لا يحق لصاحبه التسلّط على تصرفات رواده أو استبداد التحكم بسلوكهم طالما لم يأتوا بفعل يضر بالمنشأة أو يخل بالنظام العام.
ولنكن أكثر صراحة؛ لو وقفت هذه السيدة في الزاوية نفسها لنصف ساعة لا تفعل شيئًا، أو كانت تنتظر رفقة لها في هذا الفضاء، هل كان مدير المحل سيتدخل؟ هل كانت «سياسة المحل» ستستنفر أمنها لمنعها؟ بالطبع لا. لم ينزعج المدير من شغل المساحة، بل انزعج من حركاتها وهي تركع وتسجد؛ انزعج من الهوية التي أطلّت رغماً عن الديكور الأوربي.
حتى بالمعايير الغربية والمعايير العالمية التي يحاول هؤلاء محاكاتها بكبرياء زائف، تتهاوى هذه الممارسات، ولا تجد ما ينُجدها، فنصوص المواثيق الدولية الحقوقية، كالمادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تجرّم التضييق على إظهار الشعائر. بل إن التشريعات الأوروبية الدولية كنص المادة (9) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR)، ضمنت لكل شخص الحق في حرية الفكر والضمير والدين... ويشمل هذا الحق حرية إظهار دينه أو معتقده بالتعبد والتعليم والممارسة وشعائر أداء العبادة، سواء بمفرده أو مع آخرين، علناً أو سراً".
وعلى ذلك استقر قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على إلزام المنشآت بما يسمى «التكييف المعقول» لإتاحة ممارسة الحريات الدينية الفردية ما لم يترتب عليها ضرر جليّ. (قضية أرصلان وآخرون ضد تركيا (Ahmet Arslan and Others v. Turkey, 2010)، وما حدث في واقعتنا لم يكن من شأنه أي ضرر، فالسيدة كانت تصلي في زاوية من المطعم غير مرتادة، على ذلك ما قاما به مدير المطعم لا يمت للعصرنة الأوروبية بصلة، بل هو استغراق في التبعية السطحية.
إننا أمام أزمة انشغال بالشكليات؛ حيث تتوجس هذه المراكز من أي مظهر يذكّرها بأنها تقف على أرض مصرية، وكأن الصلاة تنال من الصورة الزائفة التي يحاولون تسويقها لزبائنهم. إن العصرنة الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان وحريته، لا من مطاردة سيدة قصدت زاوية هادئة لتؤدي حق ربها، في مجتمع كان وما زال يرى في الصلاة عماداً لحياته لا ممارسة يُستحى منها.




























