اقتصاد

من أزمة الـ6.1 مليار دولار إلى «صفر مديونية».. كيف قاد حسن عبد الله والبنك المركزي استعادة ثقة شركات الطاقة العالمية؟

خط أحمر

التنسيق بين المركزي والحكومة ينهي واحدة من أعقد أزمات قطاع الطاقة

البنك المركزي يقود إنهاء مديونيات الشركاء الأجانب في البترول إلى «صفر دولار»

في واحدة من أبرز التحولات الاقتصادية التي شهدها قطاع الطاقة في مصر خلال السنوات الأخيرة، برز دور البنك المركزي المصري كعنصر حاسم في إنهاء أزمة تراكم مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول والغاز، وهي الأزمة التي ظلت تمثل عبئًا كبيرًا على مناخ الاستثمار والإنتاج لسنوات، هذا التحول لم يكن وليد قرار منفرد، بل جاء نتيجة تنسيق محكم بين البنك المركزي والحكومة ووزارة المالية ووزارة البترول، ضمن رؤية متكاملة لإعادة التوازن للاقتصاد الكلي واستعادة ثقة المستثمرين.

بلغت أزمة مستحقات الشركاء الأجانب ذروتها في يونيو 2024، عندما سجلت نحو 6.1 مليار دولار، وهو رقم عكس حجم الضغوط التي كان يعاني منها الاقتصاد المصري نتيجة نقص العملة الأجنبية، وصعوبة تدبير الدولار اللازم لسداد الالتزامات الخارجية.

ومع تولي حسن عبد الله قيادة البنك المركزي، تم تبني مجموعة من السياسات النقدية والإجراءات الإصلاحية التي استهدفت معالجة جذور الأزمة، وليس فقط التعامل مع نتائجها.

أولى هذه الخطوات تمثلت في تحسين قدرة الدولة على تدبير النقد الأجنبي، سواء من خلال جذب تدفقات استثمارية كبيرة أو عبر تبني سياسات أكثر مرونة في إدارة سعر الصرف، وقد ساهمت هذه الإجراءات في تعزيز السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفي، ما أتاح للبنك المركزي توجيه جزء من هذه الموارد لسداد مستحقات الشركاء الأجانب بشكل تدريجي ومنظم.

واعتمدت الدولة، بدعم مباشر من البنك المركزي، على آلية السداد المرحلي، حيث تم وضع جدول زمني واضح لتخفيض المديونية على مدار عامين، ونجحت هذه الاستراتيجية في خفض المستحقات من 6.1 مليار دولار في منتصف 2024 إلى نحو 1.3 مليار دولار فقط في الربع الأول من عام 2026، قبل أن يتم سداد نحو 93% من إجمالي المديونية بنهاية مايو 2026، وصولًا إلى الإعلان الرسمي عن تصفيرها بالكامل بعد سداد آخر 460 مليون دولار.

لكن الدور الحقيقي للبنك المركزي لم يقتصر على تدبير التمويل فقط، بل امتد إلى ضمان عدم تكرار الأزمة. فقد تم بالتوازي مع سداد المتأخرات الالتزام بسداد المستحقات الشهرية الجارية لشركات البترول أولًا بأول، وهو ما منع تراكم ديون جديدة، وأرسل رسالة طمأنة قوية إلى الشركاء الأجانب بشأن جدية الدولة في احترام التزاماتها المالية.

كما لعبت السياسات النقدية دورًا محوريًا في استقرار سوق الصرف، وهو ما كان له تأثير مباشر على قطاع البترول، فالقضاء على السوق الموازية وتوحيد سعر الصرف أتاحا رؤية أكثر وضوحًا للشركات الأجنبية فيما يتعلق بتكاليف الإنتاج والعوائد المتوقعة، وهو ما ساعد على تحسين بيئة الأعمال وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات النقدية.

وقد انعكس هذا التحسن بشكل سريع على مناخ الاستثمار في القطاع، حيث أعلنت شركات عالمية كبرى مثل «إيني» و«بي بي» عن خطط لضخ استثمارات جديدة تقدر بنحو 17 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بهدف زيادة أنشطة الحفر والاستكشاف ورفع معدلات الإنتاج، ويعكس ذلك عودة الثقة في السوق المصري بعد سنوات من التردد نتيجة تراكم المستحقات.

وفي هذا السياق، أكد وزير البترول كريم بدوي أن إنهاء ملف المستحقات يمثل «إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق»، مشيرًا إلى أنه لا يقتصر على كونه تسوية مالية، بل يعكس معالجة جذرية لأحد أهم التحديات التي واجهت القطاع، والذي كان له تأثير مباشر على تراجع معدلات الاستثمار والإنتاج خلال السنوات الماضية.

ومن المهم الإشارة إلى أن تكلفة تأجيل سداد هذه المستحقات كانت أعلى بكثير من قيمتها الاسمية. فبينما بلغت المتأخرات نحو 6.1 مليار دولار، اضطرت الدولة إلى تدبير ما يقرب من 8 مليارات دولار خلال أشهر الصيف فقط لتأمين احتياجاتها من الغاز والوقود، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد. كما ارتفعت فاتورة الواردات البترولية إلى نحو 40 مليار دولار، وهو ما يعكس الأثر الاقتصادي الواسع لتراجع الاستثمارات في القطاع.

هنا يتضح أن إنهاء أزمة المستحقات لم يكن مجرد إجراء مالي، بل كان خطوة ضرورية لإعادة تشغيل عجلة الاستثمار والإنتاج. فمع عودة الشركات الأجنبية إلى تكثيف أنشطتها، بدأت معدلات الحفر والاستكشاف في الارتفاع، ما يمهد لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات مستقبلاً.

ولا يمكن فصل هذا النجاح عن السياسات التي انتهجها البنك المركزي تحت قيادة حسن عبد الله، والتي ساهمت في تصحيح عدد من الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، وعلى رأسها أزمة النقد الأجنبي، فرغم تعقيد التحديات التي واجهها، فإن التحول نحو سعر صرف أكثر واقعية، وتحسين إدارة الموارد الدولارية، وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي، كانت جميعها عوامل أساسية مهدت الطريق لإنهاء هذا الملف.
ورغم ذلك، يبقى الدرس الأهم من هذه التجربة هو أن معالجة الأزمات الاقتصادية يجب أن تتم من جذورها، وليس فقط من خلال التعامل مع نتائجها، فالمستحقات المتأخرة كانت مجرد عرض لأزمة أعمق تتعلق بضعف تدفقات النقد الأجنبي وتراجع الإنتاج المحلي، وهو ما تطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات النقدية والمالية.

في النهاية، يمكن القول إن نجاح مصر في تصفير مديونية الشركاء الأجانب في قطاع البترول يمثل نموذجًا للتكامل بين السياسات النقدية والمالية، ودليلًا على أهمية وجود إدارة اقتصادية قادرة على التعامل مع الأزمات المركبة.
كما يعكس هذا الإنجاز قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمارات، بما يدعم أهداف النمو الاقتصادي المستدام خلال المرحلة المقبلة.

بنك أخبار البنوك بنوك أخبار الاقتصاد أخبار مصر أخبار اليوم خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة