مقالات

الدكتور عماد الدين فهمي يكتب: أحقر الكذابين هو مَن يمنحك نصف الحقيقة ليخفي عنك النصف الآخر!

خط أحمر

في عالم الأدب والفكر، لا مكان للأحكام القطعية المسطحة أو تصنيف الأمور كأبيض وأسود بنسبة 100%، فالمسائل الفكرية نسبية وتحتاج إلى عمق وتدقيق. مؤخراً، تداول البعض مقطع فيديو يظهر فيه ضياء العوضي موجهاً اتهامات قاسية ومباشرة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، واصفاً إياه بـ «الحرامي والسارق علمياً».

يزعم المتحدث في مقطعه أن الإعلام يصدر للمجتمع رموزاً مزيفة، مدعياً أن طه حسين سرق كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» من المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث، وتحديداً من دراسته «أصول الشعر العربي»، كما أضاف فرضية أخرى زاعماً فيها أن العميد سرق كتاباً وأفكاراً تخص المتنبي من العالم والمحقق الكبير محمود محمد شاكر.

فتلك الادعاءات تخلط الحقائق بالتدليس، وتفتقر تماماً إلى الدقة المنهجية والتاريخية. وفيما يلي تفنيد ساحق لهذه الأباطيل بالحقائق والوثائق:

فالقول إن طه حسين سرق ونسخ أفكاره من المستشرقين ادعاء باطل جملة وتفصيلاً، والحقيقة العلمية أن طه حسين تأثر بمناهجهم النقدية الحديثة، والتقت رؤيته مع بعض نتائجهم. فهو لم يكن ناقلاً، بل أخذ تلك المناهج وأعاد صياغتها بالكامل داخل السياق العربي من روحه وبصيرته الفذة.

فقد نشر مرجليوث مقالته "The Origins of Arabic Poetry" في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية في يوليو 1925. وفي نفس العام (1925)، كان طه حسين يلقي محاضراته الشهيرة على منابر الجامعة المصرية، والتي جُمعت لاحقاً وصدرت في كتابه التاريخي «في الشعر الجاهلي» في مارس 1926. زمنياً، الفارق بضعة أشهر فقط، والبحثان كانا يجريان بالتوازي في فضاء أكاديمي عالمي يتأثر ببعضه البعض، وأغلب الظن أنه حدث العكس.

لكن هناك شهادة براءة تاريخية.. من الخصم نفسه! حين اشتعلت النيران في العشرينيات واتُهم العميد بالسطو العلمي، جاء الرد الصاعق ممن لا يمكن تكذيبه، مرجليوث نفسه، في مقال تاريخي نُشر عام 1927، حيث خرج المستشرق البريطاني ليعلنها مدوية أمام العالم ويبرئ طه حسين كلياً، مؤكداً أن كلاً منهما توصل إلى نتائجه بشكل مستقل تماماً عن الآخر دون أي نقل أو اقتباس، وهي الشهادة التي يدعمها فطاحل الأساتذة والباحثين العرب الكبار حتى يومنا هذا.

(ملاحظة تكشف جهل المتحدث: وصف المتحدث في الفيديو مرجليوث بأنه مستشرق ألماني يهودي، بينما الحقيقة أنه مستشرق بريطاني ولد في لندن وكان قساً في الكنيسة الإنجليزية؛ مما يوضح أن المتحدث ينقل معلومات مشوشة دون أدنى تحقيق).

أما الادعاء الثاني حول سرقة أفكار المحقق محمود محمد شاكر في قضية المتنبي، فقد صوّره المتحدث بشكل مقلوب ومبتذل: فأصل القصة في عام 1936، نشر محمود محمد شاكر سلسلة مقالات في مجلة «المقتطف» عن المتنبي، ثم أصدر طه حسين كتابه الشهير «مع المتنبي». ولاحظ محمود شاكر أن طه حسين أورد في كتابه بعض الأفكار والتحليلات الوجدانية (مثل الحديث عن بيئة المتنبي ونسبه وأثرهما في شعره) والتي كان شاكر قد سبقه إليها في مقالاته، دون أن يشير العميد إليه كصاحب فضل سبق.

لم يقل أحد من المحققين الثقات إنها سرقة بالمعنى الحرفي، بل اعتبروها نوعاً من الاستحواذ على الأفكار أو عدم إسناد الفضل لتلميذه في سياق الخصومة والكبرياء الأكاديمي. ووصف العميد بـ «الحرامي» بناءً على هذه المعركة هو جهل صارخ بآداب النقد وتاريخ المدارس الأدبية.

الخلاصة: عبقرية العميد لا يحجبها الغبار

نحن نتحدث في النهاية عن عميد الأدب العربي، الرجل الذي أثرى المكتبة العربية بأكثر من 60 كتاباً و6 روايات خالدة، وكان يتحدث العربية والفرنسية بكل طلاقة، ويجيد الإنجليزية كأهلها. نعم.. لقد أصيب الدكتور طه حسين بالعمى في جسده، ولكنه لم يُصب قط بـ «العمه الفكري».

إن هذا المقطع يندرج تحت طائلة صناعة المحتوى الإثاري الرخيص، حيث تُبادَر القامات الفكرية الكبرى بألفاظ صادمة لجذب المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي. طه حسين واجه في عصره نقداً عنيفاً وردوداً علمية رصينة وصارمة من فطاحل علماء الأمة (مثل مصطفى صادق الرافعي، والشيخ محمد الخضر حسين)، لكن أحداً من هؤلاء الفرسان لم يتهمه يوماً بالسرقة المبتذلة، بل ناقشوه واعترضوا على منهجه علمياً في ساحات الفكر الشريف، وشتان الفارق بين نقد العلماء.. وتدليس الجهلاء!

ومرة أخرى أقولها: أحقر الكذابين هو مَن يمنحك نصف الحقيقة، ليخفي عنك النصف الآخر! سواء في الدين أو الطب أو النقد.

دكتور عماد الدين فهمي

استشاري التغذية العلاجية

الدكتور عماد الدين فهمي مقالات خط أحمر خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة