مقالات

عبير سليمان تكتب: نساء المحاكم لسن نواشز ولا خصوم هن ضحايا خذلان المجتمع والرجل

الكاتبة والباحثة النسوية عبير سليمان
الكاتبة والباحثة النسوية عبير سليمان

هناك حملة شرسة تُشنّ الآن ضد النساء في مصر، ليست مجرد اختلاف في الرأي حول قانون الأسرة، بل محاولة منظمة لإعادة المرأة خطوات طويلة إلى الخلف، وتحويلها من مواطنة كاملة الحقوق إلى متهمة دائمة تحتاج إلى تبرير وجودها وحقوقها وآلامها.

المخيف ليس فقط ارتفاع الصوت الذكوري الغاضب، بل أن هذا الغضب بدأ يضغط على الرأي العام، ويخلق حالة من التشويه المتعمد لكل امرأة تلجأ إلى القانون لتحصل على حقها.
فجأة أصبحت المطلقة “ناشزًا”، والأم التي تطالب بنفقة أولادها “جشعة”، والمرأة التي تقف أمام المحكمة لتحمي أبناءها “خرّابة بيوت”، وكأن الجريمة لم تعد في الظلم أو الهجر أو العنف أو التهرب من المسؤولية… بل في مطالبة المرأة بحق كفله لها الدستور والقانون والشريعة نفسها.

الغريب أن هؤلاء يتركون أصل الأزمة، ويهاجمون الضحية.
لا يتحدثون عن رجل هجر أبناءه سنوات.
لا يتحدثون عن أب امتنع عن النفقة رغم قدرته.
لا يتحدثون عن زوج مارس القهر ثم اختفى خلف شعارات “حقوق الرجل”.
لكنهم يتحولون فجأة إلى خبراء أخلاق حين تدخل امرأة المحكمة لتحصل على حكم نفقة أو حضانة أو أجر مسكن.

وكأن الدولة حين أنشأت المحاكم لم تكن تعلم أن النساء مواطنات!
وكأن اللجوء للقضاء أصبح عيبًا حين تفعله امرأة فقط!

هذه الحملة ليست بريئة، لأنها لا تناقش القوانين بموضوعية، بل تعتمد على الشحن العاطفي والتضليل وصناعة كراهية جماعية ضد النساء، عبر فيديوهات وصفحات ومنشورات هدفها خلق صورة ذهنية مشوهة:
امرأة لا تريد إلا المال،
وأم تستغل أبناءها،
ومطلقة تنتقم،
ونسوية تهدم المجتمع.

بينما الحقيقة التي يعرفها المجتمع جيدًا ويحاول تجاهلها، أن أغلب النساء بعد الطلاق لا يعشن “امتيازات” كما يروجون، بل يدخلن معارك قاسية:
معركة نفسية،
ومعركة اجتماعية،
ومعركة اقتصادية،
ومعركة قانونية طويلة تستنزف العمر والصحة والأعصاب.

المرأة المطلقة في مجتمعاتنا لا تحصل على رفاهية، بل غالبًا تحصل على الحد الأدنى من النجاة.
هي التي تتحمل التربية اليومية، والمدارس، والعلاج، والخوف، والضغط النفسي، والأسئلة المؤلمة للأبناء، ونظرات المجتمع، وأحيانًا الإهانة داخل ساحات التقاضي نفسها.

ثم يخرج البعض ليقول لك ببرود: “الستات واخدين امتيازات”!

أي امتياز في امرأة تحمل بيتًا وحدها؟
أي امتياز في أم تركض بين المحكمة والمدرسة والصيدلية والعمل؟
أي امتياز في سنوات تضيع داخل القضايا لتحصل على حكم قد لا يُنفذ أصلًا؟

الحقيقة التي يخاف البعض الاعتراف بها، أن قوانين الأسرة لم تُصنع لأن النساء مدللات، بل لأنها جاءت بعد عقود طويلة من المعاناة والانتهاكات والصمت.
كل مادة قانونية حصلت عليها المرأة كانت وراءها قصص قهر حقيقية، ونساء دفعن أعمارهن ثمنًا لغياب الحماية والعدالة.

ولذلك فالهجوم الحالي ليس مجرد نقاش قانوني، بل محاولة لانتزاع التعاطف الإنساني من المرأة، وتحويلها إلى خصم مجتمعي، حتى تخجل من المطالبة بحقوقها، وحتى تصبح أي امرأة تفكر في اللجوء للقانون خائفة من الوصمة أكثر من خوفها من الظلم نفسه.

لكن الأخطر أن تؤثر هذه الموجات الشعبوية على التشريع نفسه.
حين يتحول القانون إلى استجابة لصخب السوشيال ميديا لا لميزان العدالة، فنحن أمام خطر حقيقي.
فالقوانين لا تُبنى على فيديو غاضب، ولا على حملات كراهية، ولا على رغبة البعض في استعادة زمن كانت فيه المرأة بلا صوت ولا سند.

أنا ما زلت أثق في وعي المشرّع المصري، وأؤمن أن الدولة تعرف جيدًا أن استقرار المجتمع لا يتحقق بإضعاف النساء، بل بحماية الطرف الأضعف وضمان العدالة للطرفين.
لكن من واجبنا أيضًا أن نرفع الصوت، لأن الصمت أمام حملات التشويه يسمح لها بأن تتحول إلى “حقيقة” في وعي الناس.

المجتمع الذي يكره النساء لن يصبح أقوى.
والمجتمع الذي يحمّل الأم وحدها كل الأعباء ثم يغضب من حصولها على حقوق قانونية، هو مجتمع يعاقب الضحية مرتين.
مرة بالخذلان… ومرة بالتشهير.

المرأة ليست عدوًا للرجل.
والمطلقة ليست مشروع إدانة.
والأم التي تقف أمام المحكمة لا تحمل سلاحًا… بل تحمل خوفها على أبنائها.

وإذا كانت بعض الأصوات تريد إعادة النساء إلى الخلف تحت اسم “إصلاح الأسرة”، فالحقيقة أن الأسرة لا تُصلح بالانتقاص من حقوق النساء، بل بإقرار العدالة والرحمة والمسؤولية المشتركة.

الكاتبة والباحثة النسوية عبير سليمان

عبير سليمان مقالات خط أحمر خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة