فريهان طايع تكتب: أشارككم شيئا من وجعنا


يعتقد الكثيرون أن حياة الصحفيين وردية ومثالية لمجرد أنها تحت الأضواء، لكن الحقيقة أن الإعلام هو مجالٌ يحرق الدم والأعصاب، فكلما ازداد نجاحك، تفاقم وجع رأسك.
مررت في الفترة الماضية بإحباط شديد، دفعني بجدية للتفكير في اعتزال الإعلام، والبحث عن حياة هادئة بعيداً عن التحقيقات، القضايا، والتقارير. تساءلت بحسرة: كيف جعلتني الصحافة أنسى حياتي؟ وكيف كرست أجمل سنوات عمري غارقة بين الملفات المعقدة وسهر الليالي؟ لقد انعكست طبيعة العمل على شخصيتي؛ فصرت ألتفت لأدق التفاصيل، وأكتشف الفساد بلمحة كأنني محقق محترف، حتى تحولت حياتي اليومية إلى تحريات لا تنتهي.
يظن البعض أن الصحفيين يملكون زمام كل شيء، وبمقدورهم رفع من يشاؤون وخفض من يشاؤون. هذا واهم؛ فنحن أنفسنا نقع ضحايا لغيرة وحقد أشخاص لا نعرفهم، ونتعرض لاستغلال أسمائنا لمجرد حصد المشاهدات. أن تكون إنساناً مسالماً يعمل بجد لتحقيق طموحاته ولا يؤذي أحداً، لا يعني أبداً أنك ستعيش بسلام؛ بل ستجد دائماً من يستغل نجاحك ليتسلق على أكتافك دون أدنى جهد.
سابقاً، كنت أسمع شكوى بعض الفنانين من استغلال نجاحهم ولا أشعر بمعاناتهم، لكنني لم أفهم حقيقة ما يدور وراء الكواليس إلا عندما اقتربت من عالمهم؛ فجمعتنا ذات المرارة والشقاء، وتأكدتُ أن المشاكل تتناسب طردياً مع النجاح. قد تكتب مقال نقدٍ موضوعي بهدف كشف الحقيقة للرأي العام وتسليط الضوء على معضلة جوهرية، لتفاجأ بوجع راس
الخطر، المشاكل، واحتراق الأعصاب هي القوت اليومي لكل صحفي ناجح يقدس مهنته. لذلك، لا تنخدعوا ببريق حياتنا؛ فأنتم لا تعلمون حجم المعاناة وراء الكواليس لإيصال الحقيقة، ولا تدركون كم يكلّفنا هذا النجاح الذي يحسدنا عليه البعض من راحة بالنا، واستقرارنا، وبهجة أيامنا.
وفي الوقت الذي يمارس فيه الناس تفاصيل حياتهم الطبيعية، نقضي نحن ساعات طوال في البحث والتدقيق، لنقابل لاحقاً بغيرة من أشخاص لا يرون سوى القشرة الخارجية لنجاح شقينا كثيراً لأجله.
مرت السنوات سراعاً دون أن نشعر بها، وتراكمت الأوجاع مع كل قضية نتبناها، حتى عجزنا عن إيجاد وقتٍ لأصدقائنا ولأنفسنا.. بعد أن تحولت الحياة كلها إلى قضية كبرى لا تنتهي."
ومع ذلك، حتى عندما ننجح بشق الأنفس في إيصال رسالتنا وتحقيق الأثر المطلوب، نُصدم بضريبة أخرى؛ إذ تطل الغيرة برأسها، ويسارع الانتهازيون لاستغلال هذا النجاح والتسلق على أكتافنا دون أدنى خجل.
"في عالم الفن والإعلام، تكتشف سريعاً أنك تعيش في غابة
غابة وارفة الظلال من الخارج، براقة الألوان تحت الأضواء، لكنها من الداخل تخضع لقوانين البقاء القاسية. في هذه الغابة، لا يشفع لك صدقك ولا طيبة قلبك؛ فالنجاح فيها يربك الآخرين، والتميز يجعل منك هدفاً للسهام. هنا، تصبح الإنجازات صيداً ثميناً للمتسلقين والانتهازيين الذين يبحثون عن الصعود على الاكتاف دون عناء. إنها بيئة تحرق الأعصاب، وتجبرك على البقاء في حالة تأهب دائم، وكأنك محارب لا يملك حق وضع سلاحه ولو للحظة واحدة."
أكتب هذا اليوم، لا لأستعرض نجاحاً ولا لأشكو ضعفاً، بل لأشارككم شيئاً من وجعنا المحجوب خلف مرارة الكواليس لعلكم تدركون أن الابتسامة التي ترونها تحت الأضواء، دُفع ثمنها غالياً من صحتنا، وسلامنا ، وسنين عمرنا.

























