كانت معبرا لعدة حضارات.. «غازى عنتاب» أرض الإبداع والزهور السوداء


لكل مدينة طابع خاص يميزها، لكن هناك مدنا لديها سحر وغموض تجذبانك، وربما محافظة غازى عنتاب التركية واحدة منها، فهى تشتهر بعدة أشياء منها الفستق والزهور السوداء، ولوحة الغجرية الحزينة التى تشبه الموناليزا، وتقع غازى عنتاب قرب حدود تركيا مع كل من العراق وسوريا ويمر بها نهر الفرات، وتقع على خط طريق الحرير التاريخى، لذلك كانت حلقة وصل بين بلاد الأناضول والشرق الأوسط.
سر السحر فى المدينة بجانب سكانها الطيبين، يتمثل فى كونها معبرا لعدة حضارات مثل الحوثيين، والحضارة الرومانية والفارسية والسلاجقة وعبرها الإسكندر الأكبر بقواته، وكذلك حملات الفرنجة، والحضارة الإسلامية من أيوبيين ومماليك والدولة العثمانية، كما غزاها البريطانيون 1919، ثم الفرنسيون 1921، وعادت المدينة للدولة التركية الحديثة عام 1923، وكانت أول بطاقة شخصية تم إصدارها، للزعيم التركى أتاتورك برقم 001 من مدينة غازى عنتاب، نظرا لكونها ملتقى الحضارات.
وأيضا يقع سحرها فى القصص الخيالية الكثيرة التى تتردد حولها بسبب قدمها، ويقال إن الإسكندر الأكبر بعد أن قضى على حكم الفرس فى المدينة، جاء بعده ملك قام ببناء مدينتين بجانب بعضهما يربط بينهما جسر، واحد منهما على اسمه، والأخرى على اسم زوجته وكان يعيش فيهما علية القوم الأغنياء من تجار وغيرهم، وكانت بيوتهم مليئة باللوحات الفسيفساء المصنوعة من أحجار ملونة، كانت موجودة على ضفاف نهر الفرات وهى لوحات آية فى الجمال تحكى عن آلهة البحار والأنهار وأفروديت إله الجمال، وغيرها من الآلهة، إلا أن تلك المدن التاريخية غرقت بأكملها تحت مياه نهر الفرات، بسبب بناء سد أتاتورك الذى يعد أكبر سد فى تركيا بسعة مائية تبلغ 48.7 مليار متر مكعب.
لكن تم تجميع بعض من أجمل تلك اللوحات، من الفسيفساء قبل غرقها تحت النهر، وعرضها فى متحف الفسيفساء فى المدينة، وتعتبر لوحة الغجرية نموذجا مشابها، لكن بالفسيفساء للوحة الموناليزا واعتقد البعض فى البداية أنها لوحة الإسكندر الأكبر بالفسيفساء، لكن اتضح أنها لوحة لفتاة غجرية، وهناك لوحات أخرى للفسيفساء أيضا لأخواتها، تمت سرقتها وعرضها فى الولايات المتحدة، فإن تركيا نجحت فى إعادتها وعرضها فى المتحف، ويشبه البعض لوحة الغجرية بالموناليزا لأنك يمكنك رؤيتها تنظر إليك من كل الاتجاهات، فإن نظرة الفتاة الغجرية كلها حزن وشجن وقلق، كأنها تنظر للفراغ أمامها وتتنبأ بما سيحل بالمدينة من مأساة بسبب الغرق بعد بناء سد أتاتورك، ويمكنك أن ترى فى نهر الفرات مسجدا غارقا يظهر فقط نصف مئذنته العلوى فوق النهر، والنصف الآخر والمسجد أسفل المياه، فهناك مدينة عائمة يظهر جزء صغير منها أعلى النهر كان يعيش بها آلاف من البشر وتم تهجيرهم بسبب السد.
وتشتهر المدينة أيضا بزراعة الزهرة السوداء النادرة الموجودة فقط، فى تلك المنطقة من العالم منطقة خلقتى على الضفة الشرقية لنهر الفرات، والحقيقة أن لونها قرمزى غامق جدا، وهى زهور موسمية، حيث تنمو فى فصل الصيف فقط فى قرية القرية الصغيرة بفضل طبيعة التربة الفريدة من نوعها فى المنطقة ومستويات الحموضة فى المياه الجوفية، التى تتسرب من نهر الفرات وخلال فصل الربيع تنمو باللون الأحمر الداكن ثم تتحول إلى الأسود خلال أشهر الصيف.
ويعتبر الأتراك المحليون، هذا النوع من الورود رمزا للغموض والأمل والعاطفة، وكذلك الموت والأخبار السيئة، ومع الأسف هذا النوع النادر من الورود مهدد بالانقراض، وذلك نتيجة انتقال سكان قرية هالفيتى التركية عند بناء السد، حيث غمرت المياه قرية هالفيتى القديمة وعدة قرى أخرى تحت مياه الفرات، عندما تم بناء السد،وقد بذل المسئولون بعض الجهود لحفظ الورود، حيث قاموا بجمع شتلة من منازل القرية وزراعتها بالقرب من بيئتهم الأصلية، مما ساعد فى المحافظة على هذا النوع قليلا.
وتعد مدينة غازى عنتاب من ضمن 163 مدينة، أعلنتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة يونسكو، مدنا مبدعة وهى المدينة التركية الوحيدة الحاصلة على هذا اللقب، وتحاول تركيا حاليا إعادة مدينة غازى عنتاب الخريطة السياحية، ورسم صورة لها مختلفة عن ما اكتسبته فى سنوات سابقة، خصوصا بعد الزلزال المدمر الذى شهدته المدينة، ولهذا تمت دعوة وفد إعلامى مصرى من قبل وزارة السياحة التركية لزيارة المدينة والتعرف عليها.
وعندما تسير بالسيارة فى ضواحى غازى عنتاب، لابد أن ترى أشجار الفستق فى كل مكان فأهل المحافظة معروفون بنشاطهم الزراعى، ففيها تنتشر كروم العنب ومعاصر الزيتون ومزارع الفستق التركى الشهير الذى يعرف فى تركيا باسم الفستق العنتبلى، وهو من أكثر أنواع الفستق التركى جودة وأغلاها ثمنا، كما تعرف بكثرة الصناعات الغذائية التقليدية الشهيرة فى تركيا، كالكباب العنتبلى واللحم بالعجين وحلوى البقلاوة، فالطعام هنا من أشهر وأجود الأكلات، خصوصا الفطير بالفستق والجبن واسمها كاتمير واللحوم المشوية.
وهناك سوق قديمة للنحاسين، يشبه خان الخليلى، اسمه بازار باكيرجيلار، ويباع فيه المنتجات النحاسية، كما تتميز المدينة بأحذية اليمنى وهو أشبه بالخف المصنوع من الجلد، وقد ظهر فى عدة أفلام مثل طروادة وإسبرطة، وأيضا يوجد فى كل مكان محال يتدلى من سقفها المنتجات الغذائية المجففة بألوانها الزاهية مثل الباذنجان والفلفل الأخضر والأحمر والكوسة والبامية فى أشكال مبهجة، وهم يقومون بتجفيفها لاستخدامها طوال العام.
تقديم الشاى على الإفطار يعد أمرا أساسيا فى غازى عنتاب، كما لا يزال لدى الأتراك تقليد أن تجتمع الصديقات مرة أسبوعيا فى منزل واحدة منهم، ويتم تقديم الطعام وتشارك كل واحدة بأكلة قامت بطبخها ويقضين اليوم فى الحديث والاطمئنان على بعضهما.
وتطل محافظة غازى عنتاب - التى تبلغ مساحة أراضيها 7642 كيلومترا مربعا، وتأسست عام 855 قبل الميلاد - على خليج الإسكندرونة، جنوب شرق هضبة الأناضول، بمنفذ ضيق من ناحية الشمال، وتتصل من الشرق بولاية أورفا التى ينسب إليها مولد نبى الله إبراهيم عليه السلام، بينما تقع ولاية كهرمان ماراس إلى الشمال منها، وتجاورها من ناحية الغرب ولاية أضنة.
يرجع تاريخ غازى عنتاب إلى عهد الحيثيين الذين أسسوا إمبراطوريتهم فى بلاد الأناضول قرابة عام 1600 قبل الميلاد، ثم خضعت لحكم العديد من الإمبراطوريات، والدول التى تعاقبت على بلاد الأناضول كالكلدانيين والبابليين والآشوريين والفرس والمقدونيين، والإغريق والرومان والبيزنطيين والأرمن والساسانيين والعرب.
ويرجع البعض تسمية المدينة عنتاب إلى لفظ “خانتاب”، الذى يعنى باللغة الحثية أرض الملوك، أما باللغة الفارسية فتعنى “الربيع المكتمل”. وبالأصل الآرامى للغة العربية، فإن كلمة عين تعنى الربيع وكلمة تاب تعنى العبير، مما يمنح الكلمة المركبة معنى “عبير الربيع”، وهى سادس المحافظات التركية من حيث عدد السكان، حيث يوجد فى تركيا 81 محافظة، وعرفت المدينة بـ”عنتاب” لكن البرلمان التركى أضاف إلى اسمها كلمة “غازي” عام 1921.
ويعتقد أن غازى عنتاب هى المكان الذى أقيمت فيه مدينة هيلنيستك التى بناها قدامى الإغريق، ودخلها الإسلام على يد العرب الأمويين فى 661م، ثم وقعت بأيدى العباسيين فى 750م، وبقيت تحت حكمهم حتى تفككت دولتهم، فتداول السيطرة عليها الطولونيون الإخشيديون والحمدانيين، إلى أن وقعت بيد الاحتلال البيزنطى عام 962 ميلادى. ثم استعاد الأتراك السلاجقة المسلمون المدينة عام 1067م، ثم وقعت بأيدى حملات الفرنجة عام 1098، فاسترجعها السلاجقة مجددا فى 1150، وتعاقب على حكمها الأرمن، وأسرة زنكى والأيوبيون والمماليك، ثم بسط العثمانيون سيطرتهم على غازى عنتاب بعد معركة مرج دابق عام 1516، فى عهد السلطان سليم الأول، فبقيت تحت حكم العثمانيين، حتى سقوطها وقيام الجمهورية التركية الحديثة 1924.
توجد فى المدينة عشرات المساجد والمتاحف، ومنها متحف الفسيفساء ومتحف العصر الحجرى الحديث والعصر النحاسى وغيرها، إضافة إلى حديقة حيوانات كبيرة وفنادق ومتنزهات وحمامات تركية، ويزيد عدد سكان الولاية على مليون و367 ألف نسمة، أصولهم خليط من القوميات أكبرها الكردية، ثم التركية مع أقلية من الشركس والعرب. وكانت المدينة فى الأصل تتبع بلاد الشام، فهى لا تبعد عن مدينة حلب السورية إلا 97 كيلومترا، لكن تركيا ضمتها بموجب معاهدة أنقرة التى وقعتها مع فرنسا عام 1920.
وتحكى معالم المدينة وما حولها لنا، ونحن نسير فى أروقتها بقصة التاريخ الساكن بين جنباتها، ففيها مدينة زقمة الأثرية على نهر الفرات التى اتخذها الرومان عاصمة لفيالقهم، وقلعة غازى عنتاب العائدة للعصر البرونزى التى يتم ترميمها حاليا، بعد أن تأثرت بشدة بسبب الزلزال الأخير فى 6 فبراير 2023، وتقع القلعة على تلة مغطاة بالصخور العالية، فيما يلتقى نهر الفرات مع مجرى مرزيمين، ويعود تاريخها إلى أواخر العصر الرومانى، والقرون الوسطى، كما تظهر فيها كنيسة القديس نرسيس ودير بارشافما، و«الروم الحمصية»، كما يطلق عليها البعض، وهى قلعة تاريخية تطل على نهر «سيحان»، ويذكر المؤرخون أنه على مر العصور، تعرضت قلعة الروم للعديد من الهجمات والتدمير، وتم إجراء عمليات ترميم وإعادة بنائها، والقلعة تظهر عليها العمارة الرومانية، والبيزنطية والسلجوقية والعثمانية، وتقول بعض الروايات إن القديس يوحنا أقام فى الجرف الصخرى خلال العصر الرومانى، ونسخ الإنجيل بها وخبأ النسخ فى إحدى مغارات الجرف، قبل أن ينقلها فى وقت لاحق إلى العاصمة اللبنانية بيروت.
وتشتهر غازى عنتاب أيضا بكنيسة كندرلى، التى بنيت عام 1860 على أيدى المبشرين الفرنسيين فى عهد نابليون الثالث، واستمرت سنوات كنيسة للأرمن، وتعد حاليا مزارا للسياح، إضافة إلى المساجد العريقة التى يحكى كل منها سيرة العصر الذى بنى فيه كمسجد البويجى والشروانى والعمرية.
وتنظم المدينة بالتعاون مع مديرية الثقافة والسياحة التركية، كل عام المهرجان الدولى للثقافة وفنون الطهو، الذى أقيم الأسبوع الماضى ويشارك فيه طهاة محليون وعالميون، وتقام فيه احتفالات محلية وعروض مسرحية للأطفال، ويهدف المهرجان للتعريف بالمأكولات المميزة لمدينة غازى عنتاب، كما يقوم الطهاة المشاركون من مختلف دول العالم بعمل وصفات الطعام فى دولهم والتعريف بها.




























